د. أكرم سلمان
ليست الغربة تذكرة سفر، ولا ختماً على جواز. الغربة هي أن تسافر أنت ويبقى قلبك هناك، معلقاً على نافذة بيت قديم، ينتظر عودتك. في البداية، نظن أننا نحن من نغادر. نودع، نلوح، ونقول
"سنعود قريباً".
ثم نكتشف الحقيقة المتأخرة:
نحن لم نغادر، نحن اقتُلعنا. ومنذ تلك اللحظة، يبدأ عمل الجلاد. زنزانة بلا جدران أغرب أنواع السجون هو سجن الغربة. سجن نظيف، واسع، فيه شوارع مضيئة ومحلات وفرص عمل، لكنك فيه وحيد.
الجلاد لا يأتيك بالسوط، يأتيك في التفاصيل الصغيرة:
يأتيك في رائحة خبز التنور فلا تجدها، في ضحكة لا تفهم نكتتها، في كلمة تقولها بلهجتك فيلتفت إليك الناس باستغراب.
يأتيك وأنت بين الزحام، تكتشف أنك تصرخ بصمت ولا أحد يسمعك.
هو لا يقتلك مرة واحدة ويرتاح. لو قتلك مرة لانتهى الأمر. هو يفعل ما هو أبشع :
يتركك حتى تلتئم، حتى تظن أنك تأقلمت، تعلمت الطريق، حفظت أسماء الشوارع، كونت صداقات جديدة.. ثم في لحظة ضعف، في مساء بارد، في عيد لا يشبه أعيادك، يطبق عليك مرة أخرى، وكأنه يقول:
"أنت لست من هنا".
لماذا يتلذذ بتعذيبنا؟
لأن الغربة تكشفنا أمام أنفسنا. في الوطن نحن محميون بأهلنا، بجيراننا، بذكرياتنا التي تسبقنا وتعرف عنا. في الغربة تسقط كل تلك الحماية، وتبقى أنت.. أنت فقط.
وهنا تكمن قسوته وعدالته في نفس الوقت. هو يقسو ليجردك، لكنه في تجريدك يبنيك من جديد. يجعلك تكتشف أن جذورك ليست في الأرض التي تركتها، بل فيك أنت. أنت تحمل وطنك في صدرك، في لغتك، في طريقة حزنك وفرحك.
كيف ننجو من الجلاد؟
لا أحد ينتصر على الغربة بالمواجهة. لا يمكنك أن تقتل الجلاد، لأنه يسكن داخلك. يمكنك فقط أن تروضه.
أن تصالحه : أن تقول له "أعرف أنك جزء من قدري الآن، لن أهرب منك بعد اليوم". حين تتوقف عن مقاومته كعدو، يخف قبضه.
أن تخون زنزانتك: الزنزانة تريدك وحيداً. اخرج منها. ابحث عن قلب واحد يشبه قلبك، عن مجلس واحد يتكلم لغتك، عن طفل تعلمه كلمة من بلادك. الخيط الواحد يكفي ليمنع السقوط.
أن تجعل للغربة وظيفة: لا تجعلها عقوبة. اجعلها رسالة. أنا هنا لأتعلم، لأبني، لأرسل، لأعود يوماً وأنا أفضل. عندما يكون للغربة معنى، يتحول الجلاد من سجان إلى معلم قاسٍ.
في النهاية، الغربة لا تقتل إلا من نسي نفسه. أما من تذكر، من ظل يحمل بيته في قلبه، ويصلي بلهجته، ويحب عن بعد.. فهو وإن تعب، وإن تألم، وإن بات ليله يئن، سيستيقظ في الصباح أقوى. لأن من ذاق مرارة أن يكون غريباً، لن يكون غريباً عن نفسه أبداً.

إرسال تعليق