من الذي يكتب أحداث التاريخ الكبرى؟

مشاهدات


د. محمود خالد المسافر


اختصر الناس الحقيقة بالمثل القائل "التاريخ يكتبه المنتصرون".

وهذه هي ليست الحقيقة الكاملة، واليكم الحقيقة؛

تُدار اي حرب بين طرفين أو عدة أطراف، من القادة السياسيين وقادة عسكريين، وتتجحفل في الحرب فرق وفيالق عسكرية ومدنية، ويكون فيلق الاعلام عادة رأس حربة أطراف الحرب، فيحول معركة خاسرة إلى رابحة، وموت الف مقاتل بخطأ عسكري إلى طريق للنصر . وتبقى الحرب مشتعلة طالما بقي للطرفين، بقية نفس. فمنهم من يربح الحرب بالضربة القاضية ويفرض عندها شروطه المذلة، ومنهم من يربحها بالنقاط بعد تدخل الأطراف الثالثة لتنتهي الحرب ويبدأ عد النقاط، وتعود هنا مرة أخرى أهمية الإعلام فيدعي كل طرف تحقيقه للنصر والفائز هو ليس من حقق اعلى انتصارات في مجمل المعارك التي خاضها في تلك الحرب، بل الفائز هو من نجحت أدواته السياسية والإعلامية في تحويل كل المعارك إلى انتصارات.

أما النصر بالضربة القاضية فلا يبقي للخاسر مجالا ولا وقتا ليقول رأيه، وتنتكس رايته وتتقهقر جيوشه ومنها فيلق الاعلام الكاذب الذي ستنكشف عورته ويصبح كل ما قاله قبلا كذبا حتى لو كان فيه بعض الصدق، ويتحول كل ما قاله اعلام المنتصر صحيحا حتى لو كان أغلبه كذبا . واسوأ حالات الخاسر هو عندما يرى جوقته الإعلامية وهي تغير كعبتها وتلف على نفسها وتنطلق في تبجيل المنتصر وتغرس السكاكين في جسد سيدها، وحصل هذا كثيرا في التأريخ وأقربها حرب احتلال العراق التي رأينا ومنذ الساعات الأولى لانتصار المعتدي كيف ظهر من كان النظام يحسبه وفيا وقد غيّر قناعه وجلده والاسماء كثيرة. قد يكون للنظام العراقي الوطني أخطاء كبيرة بل خطايا، ولكن هذا لا يكون مبررا بأي حال من الأحوال لكي يغير الإنسان جلده ويحول بوصلته، لا سيما إذا كان يعرف كما يدعي كل تلك الأخطاء ولكنه اختار البقاء مع النظام وفي ظله حتى أسقطه المحتل، وبعد ذلك أصبح في حل من كل وعوده وأقسامه.

لقد جُبلنا منذ نعومة اظفارنا على خطأ منهجي عظيم وهو أن النتائج هي التي تحكم صحة المنهج المتبع للوصول إليها . فيقال عمن حقق نتيجة جيدة في امتحان أنه نجح لانه درس جيدا وحضّر نفسه للامتحان، في حين أنه يمكن أن يكون قد نجح بوسائل غير صحيحة . ولن يكون ذلك مهما كلما مر الوقت وأصبح من الماضي، وترتب على ذلك النجاح الكثير من الأحداث المتلاحقة، فأصبح موضوع تفكيك النجاح الاول صعبا وغير مهما. ولا ادل على ذلك من جوقة السياسيين اليوم الذين ومهما تم فضح تأريخهم المخزي الطويل لا يؤثر ذلك على وجودهم في العملية السياسية، لأن الوصول إلى العملية السياسية في العراق أصبحت بحد ذاتها هي الهدف وما عداها تفاصيل غير مهمة. فلا أحد يسأل لماذا سُجنت حنان الفتلاوي أو اسعد العيداني أو عبد الله الجبوري الملقب بأبي مازن، ولا احد يسأل عن ارهاب جواد المالكي أو هادي العامري، ولا يهم أحد ان يسأل من اين حصل الشاب محمد الحلبوصي على ثروة هائلة تعد بمليارات الدولارات في اقل من عشرة أعوام. كل ذلك ليس مهما، والمهم أنهم جزء من القرار السياسي في العراق اليوم فتستقبلهم، وغيرهم من اركان العملية السياسية في العراق، الحكومات وينزل من طائرة خاصة ومعه حاشية لا تقل عدد عن حاشية اي ملك أو رئيس غير منتخب، وتزيد.

واخيرا أختم بحقيقة أخرى وهي عندما يتضاد رأيان، واحد مع عمل معين واخر ضده، من الذي يحكم في صحة الأمور النتيجة أيضا. ومثالنا هنا عندما اختلف الصحابيان الجليلان ابو بكر وعمر في موضوع الردة، فكان عمر مع مهادنة المرتدين ورفض ابو بكر ذلك.

من الذي أثبت أن ابو بكر كان على الصواب؟

هو النصر في الحرب، لولا النصر لكنا اليوم نتحدث عن حكمة المهادنة عن عمر، ولكن الله اراد أن ينصر ابو بكر ليثبت أنه كان على حق في نصرة الدين في وقت ظن الناس فيه أن أصحاب الدين ضعفاء بعد موت الرسول (صلى). والعكس صحيح، أن الحروب التي يبنى قرارها على المبادئ لا ينبغي أن تغير نتيجتها من قتاعاتنا، لأن أُحد كانت معركة خاسرة ولكنها كانت معركة مبادئ لا تغير نتيجتها موقفنا منها حتى لو انبرى لها المطبلون والمزمرون، ومن اقرب هذه المعارك الشريفة العظيمة هي معركة المقاومة العراقية البطلة التي اذاقت العدو الأمريكي ذل الهوان ، وان تراجع المقاومة مقابل تمكين المحتل للعملاء من حكم العراق لا يعني ابدا أنها كانت على باطل، بل على حق. ولن ننتظر اعلام العدو الأمريكي أو الإيراني ليقول رأيه فيها، لأن رأينا فيها راسخ . اخيرا اقول إن نتيجة الحرب لا ينبغي أن تغير من قناعاتنا ومبادئنا وقيمنا الأصيلة، لاننا سنُسأل يوما عن التزامنا بقيمنا العليا ومبادئنا ونصرتنا للحق، ولن ينفعنا إذا قلنا كنا واقعيين وبراغماتيين ومشينا مع القوي وتركنا حامل الراية لانه خسر المعركة.

تعليقات

أحدث أقدم