رغم الاستعراض الإعلامي … لا يزال الغرب يعوِّل على النظام الإيراني!!!

مشاهدات


د. سامي خاطر

أكاديمي وأستاذ جامعي



مدخل : رهانٌ يتجدّد رغم التجارب المريرة

من المدهش أن الغرب رغم عقود من التجربة والخسارات السياسية ما يزال يُمسك بخيطٍ واهٍ يربطه بنظامٍ أثبت أنه جزء من المشكلة لا بوابة الحل.. ومع كل أزمة تُشعلها طهران في الإقليم، ومع كل استعراض إعلامي تُتقنه يخرج مسؤولٌ غربي ليُذكّر بأن &quot ; النظام الإيراني يمكن أن يلعب دورًا إيجابيًا&quot ;.. لكن السؤال الذي يطفو إلى السطح بإلحاح هو: أليس من الخطيئة أن يعوِّل الغرب على نظام طهران ؟


التأريخ يجيب : لقد عوّل الغرب من قبل على الشاه المخلوع وظنّ أنه يمتطي حصانًا رابحًا فإذا به يكتشف أن كل رهانه كان على حصانٍ هَرِم لا يقوى على الوقوف فسقط الشاه وسقط معه كل النفوذ الذي بناه الغرب على مدى عقود، واليوم يبدو المشهد وكأنه يُعاد بنسخة جديدة أكثر استجابة وهدما وتدميراً من سابقتها.


بين وهم القوة وحقيقة الضعف

يعرف النظام الإيراني كيف يصنع صورة متخيَّلة عن نفسه.. يُظهر قوّة إعلامية ضخمة، ويستخدم خطابًا مرتفع النبرة،ويُحرّك أوراقه الإقليمية بطريقة توحي بأنه لاعب لا غنى عنه؛ لكن خلف هذا الضجيج يقف نظامٌ يعاني من :


- أزمات اقتصادية خانقة،

- احتجاجات شعبية متكررة،

- صراعات حادة داخل مراكز النفوذ،

- تراجع واضح في قدرة الدولة على التحكم بالشارع .


ومع ذلك يتعامل الغرب مع النظام بوصفه &quot ; ضرورة سياسية &quot ; لا يمكن الاستغناء عنها وكأن البديل هو الفوضى المطلقة.. مع أن الفوضى هي اليوم نتاج طبيعي لاستمرار هذا النظام نفسه وهذه السياسة الغربية.


خطيئة التعويل على من يصنع الأزمات

الخطأ الجوهري في الرؤية الغربية هو أن طهران يمكن إدماجها في نظام إقليمي مستقر.. لكن النظام الإيراني لا يعيش بلا توتر بل يعتمد عليه كمتنفسٍ لاستمرار سلطته، ويُصدّر أزماته إلى الخارج كما تُصدر الأنظمة الضعيفة فائض قمعها، ورغم هذه الحقيقة الواضحة لا يزال بعض صناع القرار يتصرفون وكأن طهران هي :


- شريكٌ موثوق،

- أو وسيطٌ عقلاني،

- أو نظامٌ يمكن إصلاحه عبر الاتفاقيات.


كل هذه التصورات سقطت عند الاختبار؛ فالاعتدال في قاموس طهران مجرد تكتيك، والتصعيد مجرد ورقة ضغط، والتهدئة ليست دليلاً على التغيير بل على دليلا على حاجة ظرفية لكسب الوقت.


هل نسي الغرب سقوط الشاه ؟

قبل 1979 كان الشاه هو &quot ;الحليف المخلص" و&quot ;صمام الأمان" و" شرطي الخليج &quot ;، ومع ذلك لم يستطع الغرب أن يرى ما كان يحدث تحت وفوق السطح :


- شعبٌ يغلي،

- فساد سياسي متصاعد،

- اقتصاد مختل،

- وشرعية متآكلة.


وحين اندلع الانفجار، سقط النظام في أسبوع ، ولم يجد الغرب ما يتمسك به، واليوم يعيد التأريخ نفسه ؛ فالرهان على نظام يعاني من هشاشة داخلية، ومن نزيف اقتصادي، ومن غضب شعبي ليس إلا ورقة خاسرة تُذكّر بمغامرة دعم الشاه ولكن بثوبٍ جديد.


لماذا يصر الغرب على الرهان الخاطئ؟

هناك ثلاث إجابات محتملة :

1. الخوف من البديل : الخشية من المجهول الذي سيديره برنامج وطني ما يجعل الغرب يتمسك بالمألوف الذي لا ثوابت له المطيع المستعد للبيع والشراء حتى لو كان مضرًّا.

2. الحسابات الاقتصادية : النفط والغاز والسوق الإيرانية إغراءٌ لا يمكن تجاهله.

3. الوهم الدبلوماسي: الاعتقاد بأن الضغط والتفاوض قد ينتج نظامًا أكثر عقلانية.

4. ترويض المنطقة: ينسجم ملالي طهران ويتفقوا مع أي سياسة غربية هدامة للمنطقة العربية ومن هنا تكون حماية مصالح الغرب بالمنطقة فريضة على نظام الملالي نظير تقاسم بعض النفوذ والسماح له بالاستعراض والبقاء في السلطة.


لكن هذه الحجج لا تصمد أمام حقيقة واحدة : النظام الإيراني غير قابل للإصلاح ليس بسبب مواقفه بل بسبب بنيته .


الوهم لا يصنع سياسة ناجحة

مهما بلغ حجم الاستعراض الإعلامي، ومهما روّج النظام الإيراني لنفسه كقوة حاسمة تبقى الحقيقة ثابتة :

إن الغرب يكرر خطأه القديم ويراهن على سلطةٍ تُغذّي الفوضى، وتُضعف الداخل، وتعيش على الأزمات لا عبر الحلول، ولقد خسر الغرب حين راهن على الشاه لأنه تجاهل صرير العاصفة الآتية، واليوم يكرر الخطأ ذاته مع نظامٍ لا يختلف إلا في الشعارات. إلى متى ستظل العواصم الغربية تعتبر السراب ماءً وتظن أن طهران يمكن أن تكون ركيزة استقرارٍ في حي حين أنها عامل هدم ودمار واضطراب بمنطقةٍ لا تحتمل مزيدًا من المغامرات؟


تعليقات

أحدث أقدم