انهيار عقيدة «العمق الاستراتيجي»

مشاهدات


عبدالرزاق الزرزور 

محامي وناشط حقوقي سوري


نهاية المناورات الخادعة للنظام الإيراني في المنطقة.. والمأزق الداخلي المحتوم كيف حاصرت الأزمات المتقاطعة وانتفاضة الشعب الإيراني الدكتاتورية الدينية بحصار مميت؟


يقع نظام ولاية الفقيه في واحدة من أكثر المراحل هشاشة وأزمات طيلة تاريخه الأسود.. خامنئي الذي حاول لسنوات أن يصنع لنفسه «عمقًا استراتيجيًا» وهامش أمان بالاعتماد على استراتيجية «إشعال الحروب بالوكالة» وتصدير الأزمة إلى خارج الحدود يواجه الآن فشلًا ذريعًا لهذه السياسة، وما كان يعتبر يومًا ما ورقة ضغط وأداة استعراض قوة وهمية للنظام في المنطقة تحول اليوم إلى حبل مشنقة حول عنقه. إن التكاليف المليارية من جيوب الشعب الإيراني المحروم لتمويل الجماعات الوكيلة ونشر الإرهاب لم تنجح فحسب في ضمان بقاء النظام بل أدت إلى تصاعد العزلة الدولية والكراهية الاجتماعية العميقة في الداخل، وإن واقع المشهد السياسي في إيران والمنطقة يظهر أن سياسة «الهروب إلى الأمام» فقدت فعاليتها وأن النظام بات أعزل من أي وقت مضى أمام أمواج التحولات العارمة.


إفلاس اقتصادي وانفجار الغضب الاجتماعي

على الساحة الداخلية وصل الوضع الاقتصادي إلى حافة الانهيار الكامل.. ولقد دفعت التحديات الاقتصادية الكبرى التي هي نتاج مباشر للفساد الممنهج والنهب من قبل المؤسسات التابعة لبيت خامنئي ، والتكاليف العسكرية والأمنية الباهظة غالبية المجتمع الإيراني إلى ما دون خط الفقر، وإن الغلاء الجامح، والتضخم المنهك، والسقوط الحر في قيمة العملة الوطنية جعلت موائد الناس أكثر فراغًا من أي وقت مضى.. لكن رد فعل المجتمع على هذا الوضع ليس الصمت والاستسلام بل الاحتجاج والغضب المتزايد . إن استمرار احتجاجات مختلف شرائح المجتمع من المتقاعدين والمعلمين إلى عمال النفط والممرضين يدل على أن الشعب الإيراني قد شخص بشكل صحيح جذر كل مصائبه، وإن شعارات الناس التي تستهدف رأس نظام ولاية الفقيه مباشرة هي خير دليل على أنه لم يعد هناك أي وهم تجاه الإصلاح أو تغيير سلوك النظام في المجتمع، ويعلم خامنئي جيدًا أن جيش العاطلين والجوعى هو بمثابة مخزن بارود يمكن أن يشتعل بأدنى شرارة ويحرق كيان نظام ولاية الفقيه بأكمله.


آلة الإعدام دليل ضعف واستجداء لا قوة

لمواجهة هذا الجو المتفجر ومنع الانتفاضة المحتومة لم يستخدم النظام سوى الأداة الوحيدة التي يعرفها : القمع والإعدام، وأما الزيادة الجنونية في أعداد الإعدامات في الأشهر الأخيرة فليست مؤشرًا على الاقتدار بل هي رمز للخوف والرعب العميق الذي يشعر به الدكتاتور من انتفاضة الشعب، والسجناء السياسيون والشباب الثائر هم الهدف الرئيسي لآلة القتل هذه؛ لكن رد فعل المجتمع وخاصة المقاومة البطولية للسجناء السياسيين في إطار الحملة الأسبوعية «ثلاثاء لا للإعدام» من كل أسبوع أظهر أن سلاح التخويف والرعب لم يعد فعالًا.. وكل إعدام بدلاً من بث الخوف يزيد من الغضب والاشمئزاز العام ويزيد من عزم الشباب على النضال والإسقاط، والنظام مع كل حبل مشنقة يقيمه يشد في الواقع حبل  مشنقته ويقصر المسافة بينه وبين لحظة السقوط.


العزلة العالمية ونهاية سياسة المساومة

على المستوى الدولي أيضًا أصبحت جدران العزلة أطول وأكثر متانة، وإن حقبة المساومة التي سمحت للفاشية الدينية بالاستمرار في حياتها المشينة عبر الابتزاز النووي وإرهاب الدولة تقترب من نهايتها.. ولقد توصلت الدول الغربية والمجتمع الدولي بشكل متزايد إلى استنتاج مفاده أن هذا النظام هو المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار والحرب في المنطقة وأنه لا يفهم أي لغة أخرى سوى لغة الحزم ، وإن إدراج قوات الحرس في قوائم الإرهاب والإدانات المتتالية لانتهاكات النظام لحقوق الإنسان في المحافل الدولية قد ضيقت حلقة الحصار.. وخامنئي الذي كان يعتقد أنه يمكنه كسب الوقت عبر الدبلوماسية البهلوانية يجد نفسه الآن في مأزق لا رجعة فيه ؛ فلا يمتلك القدرة على التفاعل البناء مع العالم ولا يقوى على  المواجهة الشاملة .


الحل الوحيد والرؤية المستقبلية

في خضم هذا الظلام والمأزق العاصف فإن ما يُبقي الأمل حيًا في قلوب الشعب الإيراني ويبشر بغد مشرق هو وجود قوة رائدة ومنظمة رفعت راية النضال باستراتيجية محددة وتضحية لا مثيل لها.. ووحدات المقاومة في جميع أنحاء إيران تكسر جدار القمع وتُبقي شعلة الانتفاضة متقدة من خلال عملياتها الجريئة، وتشير جميع الأدلة والقرائن التاريخية والسياسية إلى أن دكتاتورية ولاية الفقيه قد وصلت إلى محطتها الأخيرة ولن تمنع أي حيلة من إسقاطها . في هذا المنعطف التأريخي الحساس القوة الوحيدة التي تمكنت من كسب ثقة الشعب والدعم الدولي بتماسكها التنظيمي وبرنامجها المحدد للمرحلة الانتقالية وخططها الديمقراطية لمستقبل إيران هي المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.. اليوم أصبح أكثر وضوحًا من أي وقت مضى أن النصر النهائي وإرساء الحرية والديمقراطية في إيران يمر فقط عبر طريق المقاومة المنظمة بقيادة السيدة مريم رجوي التي تمثل البديل الديمقراطي والشعبي الوحيد الضامن لقيام إيران حرة ومزدهرة خالية من أي دكتاتورية.


تعليقات

أحدث أقدم