سحر النصراوي
في قضية "يقين"، الفتاة التونسية التي تعرّضت لاعتداء جنسي وحشي بعد حقنها بكميات قاتلة من المخدرات على يد مجموعة من الوحوش ببيت استدرجت إليه من طرف " صديقة " تدعى " مودة " بمنطقة الملاسين، لم يرعبني فقط حجم الجريمة، بل راعني ما كشفته من ظاهرة أكثر خطورة ،كثرة الأصوات التي تبحث للجاني عن الأعذار، وللضحية عن الذنب. نسمع تبريرات من قبيل ،
لماذا كانت هناك؟
لماذا خرجت؟
مع من كانت؟
لماذا تركتها والدتها تخرج ؟
لماذا لم تهرب؟
لماذا لم تصرخ ؟؟
وكأن كل سؤال عن الضحية محاولة لإعادة توزيع مسؤولية الجريمة، بدل وضع المسؤولية حيث يجب أن تكون ..على من ارتكب الجريمة.. الجاني. والمخيف أن بعض هؤلاء، وإن لم يرتكبوا الجريمة بأجسادهم، يمارسونها في الخطاب ، مغتصبون مع وقف التنفيذ . ينتظرون فقط أن تقع الجريمة كي يبدأوا في تفتيش حياة المرأة عن «سبب» يبرر ما وقع عليها . عندما يصبح الاغتصاب، في وعي البعض، وسيلة لمعاقبة المرأة على استقلاليتها، أو للانتقام منها لأنها اختارت، أو رفضت، أو عاشت كما تريد، فنحن أمام أكثر من جريمة فردية . نحن أمام تصور منحرف يجعل من جسد المرأة ساحة للعقاب والتأديب، وكأن استقلالها استفزاز أو جريمة تستحق العقوبة . وهنا يصبح الخطاب الذكوري السام ، أخطر من مجرد رأي ، لأنه يوفر للجريمة غطاءً اجتماعياً، ويمنح المعتدي عشرات المخارج الأخلاقية، بينما يحاصر الضحية باللوم والشك والإدانة ثم التجريم. لهذا فإن القانون ومهما كانت نقائصه، وُجد لأننا لا نستطيع أن نترك تحقيق العدالة بيد أشخاص مثل هؤلاء، ولا حماية الضعيف لمزاج المجتمع وأحكامه المسبقة .
أتساءل أحيانا ماذا كان سيحدث للنساء لو غابت القوانين؟
من كان سيحميهن حين يصبح جسد المرأة ومصيرها رهينين بقوة الرجل، وبنظرة المجتمع، وبقدرته على اختلاق الأعذار؟
السؤال الأكثر إلحاحا هنا هو :
ماذا فعلت يقين حتى تتعرض لما تعرضت له؟
ماذا أتت لكي تستحق هذا المصير؟
وينسون أو يتناسون أنه يحق حتى لبائعة الهوى أن تختار ، وأنه يحق حتى للمتزوجة أن تطالب بتحقيق العدالة في زوجها إذا أكرهها. يقين طفلة... يقين قاصر .. لا تبنوا جسور تبرير جرائمكم على جراحها ، كي لا يطاردكم شبح ألمها لاحقا.
كيف وصل مجتمعنا إلى هذه الدرجة من الوحشية ؟!
وحشية يستطيع فيها البعض أن يجد عشرات الأعذار للمعتدي، ولا يجد عذراً واحداً للضحية؟
القضية اليوم ليست قضية يقين وحدها. إنها اختبار لنا جميعاً.
هل نريد مجتمعاً يحمي الإنسان بالقانون، أم مجتمعاً يحاكم الضحية حين يعجز عن مواجهة الجاني؟

إرسال تعليق