«بين السبع والواوي»

مشاهدات



د. ثائر العجيلي


باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي



في لحظة الوداع، اختار قائد التحالف الدولي الأدميرال ليام هولن أن يخاطب العراقيين بلسانٍ عراقي، حين قال: 

«تحزّم للواوي بحزام سباع».


لم تكن العبارة غريبة عن المكان؛ فالعراق الذي استقبل التحالف الدولي قبل اثني عشر عامًا لمواجهة عدو وحشي اجتاح المدن واستباح الأرض والإنسان، يعرف جيدًا معنى أن يظهر الخطر كبيرًا وواضحًا، وأن تُشدّ له الأحزمة قبل أن تُخاض المعركة.  ذلك «السبع» لم يكن بحاجة إلى تعريف. جاءت من أجله عملية «العزم الصلب» عام 2014، واستمرت حتى انتهت المهمة العسكرية للتحالف في العراق في 30 أيلول/سبتمبر 2026  بعد الهزيمة الإقليمية له وانتقال المسؤولية الأمنية الرئيسية إلى القوات العراقية. ومع ذلك، فإن نهاية المهمة لا تعني اختفاء الخطر تمامًا؛ فبقاياه وخلاياه النائمة لا تزال جزءًا من الحساب الأمني العراقي.


لكن المثير في خطاب الوداع أن الأدميرال لم يكتفِ بذاكرة «السبع». وهو يغادر، استدعى «الواوي». وفي الحكمة العراقية فرق بين الاثنين : 

فالسبع يخيفك ببطشه وحجمه، 

أما «الواوي الماكر المراوغ» 

فقد يخدعك بصغره. الأول يجبرك على الاستعداد له، والثاني يختبر مقدار ما تسمح به للاستهانة أن تتحول إلى خطر.


ولعل السياق هو الذي يمنح المثل ثقله السياسي. ففي المناسبة نفسها قال هولن إن الوقت حان لكي يأخذ العراق زمام المبادرة، وأعلن دعمه لجهود حصر السلاح تحت سلطة الدولة، معتبرًا أن بقاء جماعات مسلحة تعمل خارجها لم يعد له مبرر مع انتهاء مهمة التحالف. هنا لا نحتاج إلى تسمية أحد؛ فالتعريف الرسمي يكفي:

 السلاح المنفلت خارج إطار الدولة.


وكأن معنى الرسالة ليس: 

ابحثوا عن عدو جديد، بل لا تسمحوا للخطر الأصغر أن يرث المكان الذي أخلاه الخطر الأكبر. فالمشكلة لا تبدأ حين يصبح «الواوي» سبعًا؛ بل حين تجد الدولة نفسها قد تركت له من الفراغ ما يكفي لكي يكبر، ويتمدد، ويعتاد الناس وجوده حتى يصبح جزءًا من المشهد.


وهنا تتحول الحكاية من مثل إلى فلسفة دولة. فالسيادة لا تكتمل بخروج القوة الأجنبية وحده، بل بما يحدث في اليوم التالي لخروجها : 

من يحمل السلاح؟ 

من يقرر الحرب والسلم؟ 

ومن يملك الكلمة الأخيرة حين تتعارض الإرادات؟ 


الدولة لا تخشى فقط ما هو أقوى منها؛ بل تخشى أيضًا أن تعتاد وجود ما ينازعها وظيفتها حتى يصبح الاستثناء جزءًا من القاعدة .


لقد عرف العراق «السبع» وقاتله، ولم تنتهِ ضرورة الحذر منه. 

أما الأدميرال هولن، ففي آخر الطريق، اختار أن يترك وراءه تحذيرًا آخر بلسان عراقي.


ربما لأن أخطر ما في «الواوي» ليس أن يكون «سبعًا»… بل أن ننتظر حتى يصبح كذلك.



تعليقات

أحدث أقدم