السلاح المنفلت ينسف هيبة وسلطة الدولة

مشاهدات



الفريق الركن صباح نوري العجيلي


أكتب هذه المقالة في أعقاب الجريمة الخطيرة التي أدت إلى مقتل مدير شرطة أمانة بغداد، برتبة عميد، أثناء قيامه بواجبه في عملية رفع التجاوزات في إحدى ضواحي بغداد، عندما أقدم أحد الخارجين على القانون على إطلاق النار من رشاشة خفيفة نوع RPK على القوة المكلفة بالواجب. إن هذه الحادثة، بصرف النظر عن تفاصيلها الجنائية، تمثل صورة مؤلمة لخطورة انتشار السلاح خارج إطار الدولة، حين يتحول السلاح من وسيلة يفترض أن تكون بيد المؤسسات المكلفة بحماية القانون إلى أداة تُستخدم في مواجهة الدولة ورجالها. 


يُعدّ انتشار السلاح خارج إطار مؤسسات الدولة من أخطر التحديات التي واجهت العراق بعد عام 2003 ، لما يتركه من آثار مباشرة على هيبة الدولة وقدرتها على فرض القانون وحماية الأمن والاستقرار . فالدولة لا تستطيع أن تمارس سلطتها بصورة كاملة عندما توجد  قوى مسلحة خارج منظومتها الرسمية، تمتلك أسلحة تفوق في بعض الحالات ما هو متاح للأفراد والمؤسسات المحلية.  لقد أدى الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وما رافقه من حل الجيش العراقي وتفكيك مؤسساته العسكرية والأمنية، إلى حدوث فراغ أمني واسع . كما أدى تفكيك الثكنات والمخازن العسكرية وتبعثر الأسلحة والمعدات إلى انتشار كميات كبيرة من السلاح، ووصول بعضها إلى الأسواق والشوارع، الأمر الذي أسهم في نشوء بيئة أمنية مضطربة يصعب فيها ضبط حركة السلاح وحصره بيد الدولة . وزاد من خطورة الوضع استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني وتصاعد العمليات الإرهابية والصراعات المسلحة، إذ أصبحت الأسلحة المتوسطة والثقيلة متاحة لبعض العشائر والجماعات والأفراد، بعد أن كان امتلاكها في السابق محصوراً بدرجة أكبر بالمؤسسات العسكرية والأمنية للدولة. وجاء تنظيم (داعش) ليضيف بُعداً أكثر خطورة إلى مشكلة السلاح. فقد أدى انهيار عدد من تشكيلات الجيش العراقي، ولا سيما في محافظة نينوى عام 2014، إلى فقدان كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات العسكرية، واستولى التنظيم على مخازن ومعدات وأسلحة تركتها القوات المنهارة، واستخدمها في تعزيز قدراته القتالية والسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي العراقية. 


ومع مرور السنوات، أصبحت بعض الفصائل المسلحة تمتلك ترسانة كبيرة من الأسلحة، بما فيها الأسلحة المتوسطة والثقيلة والطائرات المسيّرة، الأمر الذي جعل مشكلة السلاح في العراق تتجاوز مسألة حيازة الأسلحة الفردية إلى وجود قدرات عسكرية منظمة خارج السيطرة الكاملة للدولة. إن استمرار هذه الحالة يضعف مفهوم احتكار الدولة للسلاح واستخدام القوة، وهو أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة. فكلما تعددت الجهات التي تمتلك السلاح والقدرة على استخدامه خارج القرار الحكومي، تراجعت هيبة الدولة، وضعفت قدرتها على فرض القانون، وأصبح القرار الأمني والعسكري عرضة للتعدد والتجاذب. ومن هنا، فإن معالجة ظاهرة السلاح المنفلت لا ينبغي أن تكون مجرد حملة لجمع الأسلحة، وإنما يجب أن تكون جزءاً من مشروع وطني شامل لإعادة بناء سلطة الدولة، يبدأ  بحصر السلاح والقدرات العسكرية بيد المؤسسات الرسمية، وتنظيم المخازن والمنافذ ومصادر التسليح، ومنع تصنيع الأسلحة خارج الأطر القانونية، وتعزيز قدرات الجيش وقوى الأمن الداخلي . إن الدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم، ولا تملك وحدها حق استخدام القوة المسلحة، تبقى سلطتها منقوصة مهما كانت مؤسساتها السياسية قائمة. ولذلك فإن حصر السلاح بيد الدولة ليس شعاراً سياسياً فحسب، بل هو شرط أساسي لاستعادة هيبة الدولة وسيادتها وترسيخ الأمن والاستقرار في العراق. وإذا كان العراق يريد بناء دولة قوية ومستقرة، فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، وترسيخ مبدأ أن القانون فوق الجميع، وأن السلاح لا يكون مصدراً للسلطة، بل أداة بيد المؤسسات الشرعية لحماية الوطن والمواطن . إن هيبة الدولة تبدأ عندما يعرف الجميع أن رجل الأمن والعسكري الذي يؤدي واجبه محمي بالقانون، وأن الاعتداء عليه هو اعتداء على الدولة نفسها، وأن لا قوة في البلاد تعلو على قوة القانون.

تعليقات

أحدث أقدم