صباح الزهيري
تجسد قصيدة : ليت رؤيايَ صحوٌ يدوم , للشاعرة العراقية ساجدة الموسوي لحظة وجدانية فارقة يختلط فيها الحلم بالواقع , والوجع الذاتي بالمأساة الوطنية , تعتمد الشاعرة على بناء درامي ينطلق من حلم رؤيا ينزع الشاعرة لحظياً من واقع العراق الأليم ليحملها على أجنحة الشوق نحو يثرب طيبة , حيث مرقد الرسول الكريم , والقصيدة وثيقة وجدانية ومناجاة نبوية تحكي ألم العراق عقب الاحتلال وما رافقه من دمار , لم تلتجئ الشاعرة للرسول الكريم لطلب معجزة مادية , بل لتشكو إليه حال البلاد وتنقل إليه خطاب انكسار , وتستدعي التراث الحجازي وأجواء الحداء لتصنع نقيضاً روحياً سامياً يتجاوز قسوة الواقع , وتكمن براعة النص في تحويل المأساة الوطنية إلى حالة شعرية شفافة , حيث تصبح الرؤيا هي الملاذ الآمن , ويكون الواقع هو الكابوس الذي تتمنى الشاعرة لو لم تستيقظ منه أبداً:
ليتني لم أفقْ ,
ليت رؤيايَ صحوٌ يدوم .
تجلّى البناء الدرامي في النص عبر حوارية مكثفة بين الذات المكلومة والغياب , فلم تكن القوافل المارة مجرد ركابٍ في صحراء , بل كانت ترميزاً للتاريخ والسكينة والعدل المفقود , استطاعت الشاعرة من خلال تقنية المناجاة أن تخرج الوجع العراقي من أطاره الجغرافي المباشر لتربطه بأفق روحي سامٍ , حيث تجسد الخطاب كوثيقة حية لا تحمل طلبات دنيوية أو رجاءات مادية , بل تشهد على مظلومية أمة , وكان اختيار مفردة الزنبق السومري شفرة جمالية بالغة العمق , تجمع بين أثالة الحضارة العراقية وحداثة الفاجعة , ليكون هذا الزنبق الصريع شاهداً على اغتيال الجمال والبهاء بأيدٍ غريبة. وفي الانتقالة النصية نحو اللحظة الفارقة , يتداعى المشهد الدرامي حين يمتزج الحلم بيقظة حسية مباغتة , فالدليل الذي مدّ يد الرضا لم يكن سوى خيط أمل شفيف سرعان ما تداعى أمام قسوة الواقع , هنا تكمن الفجوة الفاجعة في القصيدة , إذ تدرك الشاعرة أن الثواني التي عاشتها في حضرة الطيف كانت هي الحياة الحقيقية , بينما الصحو ليس إلا عودة لكابوس الوجع اليومي , لقد اختزلت ساجدة الموسوي مأساة وطن بأكمله في تفاصيل دقيقة , البيوت المقصفة , والدموع النزافة , والعرائس اللاتي شيعن الأحلام , ليصبح الخطاب سجلاً انثروبولوجياً ووجدانياً لألم العباد تحت وطأة الاحتلال والجَور.
تتوج القصيدة نسيجها البلاغي باستعارة غزالة الروح التي تركتها الشاعرة لتسرح في العطر السرمدي للنبي الكريم , وهي التفاتة تصوفية تصعّد الحزن من مستواه الفاجع إلى أفق الخلاص الروحي , فالروح لا تجد نجاةً في واقعٍ يمزق صدر البهاء , بل تلوذ بالرمز الأعظم للعدل والسلام , ومن هذا المنطلق , يغدو الرجاء الأخير للشاعرة ليس تغيير الواقع بالقوة , بل الخلود في لحظة الرؤيا , فالصحو جراح تنوح , والاحتلام هو أرحم أشكال العيش حين تصبح اليقظة مواجهة مفتوحة مع الخنجر والحديد . وفي رد المناوحة , او كما تقول ألأمهات في حزن العراق تعالي ليه وجابليني , نقول لنخلة العراق أم سما :
على فَمِ الليلِ صَوْتٌ لا يَنَامُ يُنَادِي القِفَارَ , أَهَلاَّ تَمَهَّلْ؟
يَشُدُّ الرِّحَالَ إلَى - طَيْبَةٍ - يُطَارِدُ نُوراً لِكَيْ لا يُظْلِمَ المَنْهَلْ , حَمَلْتُ - الزُّنْبُقَ السُّومَرِيَّ - صَرِيعاً وَكُفَّاً يَقُصُّ الحَدِيدُ دِمَاهْ وَرُوحاً تَلُوذُ بِعِطْرِ الحَبِيبِ تُرِيدُ النَّجَاةَ , وَأَيْنَ النَّجَاةْ ؟
فَيَا حَادِيَ الشَّوْقِ مَهْلاً , قَلِيلاً , أَزِحْ عَنْ جَبِينِ العِرَاقِ الظَّلامْ فَإِنَّ الصَّحَوَاتِ جِرَاحٌ تَنُوحُ وَأَحْلَى الحَيَاةِ , هُوَ الاحْتِلاَمْ ,فَلَيْتَ المَنَامَ يَدُومُ طَوِيلاً وَلَيْتَ الرُّؤَى لا تَذُوبُ هَبَاءْ لِكَيْ لا نُفِيقَ عَلَى خَنْجَرٍ يُمَزِّقُ صَدْرَ البَهَاءِ .
تظل قصيدة ليت رؤيايَ صحوٌ يدوم لنخلة العراق ساجدة الموسوي , مرثية وجدانية حارقة تصوغ من انكسار الوطن وثيقةً شعرية خالدة , لقد نجحت الشاعرة في جعل الحلم ملاذاً أخيرًا للهوية والجمال أمام بشاعة الدمار , ليبقى صوتها المنادي عبر الليل شاهداً على مرحلة تاريخية استحال فيها النوم أمنية , والصحو فاجعة , ورؤيا المصطفى قبساً يضيء ظلمات العِراق.
ليت رؤيايَ صحوٌ يدوم
ساجدة الموسوي
أيُّها الرّكبُ .. يا عِيرُ مهلا ...
وكانت قوافلهم فوق رمل الجزيرةِ تترى
أعدتُ النّداءَ وقد شدّني
سحرُ إنشادِهم لطَيبةَ .. للهِ ..للمصطفى
للجبين المُعلّى
يا حداةُ خذوني ... فما وقفوا
والهواجس حيرى..
ومرّت قوافلُ أخرى فناديتهم
أيّها الرّكبُ .. هلّا وقفتم ..
لديَّ خطابٌ لمن ملأ الأرض نوراً
وعدلا
ولا غيرَ هذا ..
خطابٌ بسيطٌ
ولا يثقلُ الرّحلَ لكنّهُ
مثقلٌ باشتياقي وحبّي
وضمّنتُهُ غصّةً خنقت رئتيَّ
فضاقت.. وضاقت..
كأنَّ على الجيدِ من رَهَق الجَورِحبلا
***
على هونهم وقفوا ..
وانبرى لي دليلٌ فقال :
أخبريني.. وأهلاً بمن ندبَتْنا وسهلا
فأعطيتُه ما كتبتُ على الرَّقِّ ..
قلتُ : لعلَّ الحبيبَ يجيب الخطاب
فيشرقُ من روحهِ قَبَسٌ
فوق أرض العراق
يزيحُ الظّلامَ
يعودُ كما كانَ قبلا
لعلَّ دموع الخطاب ِلها شرفٌ
أن تقول لقلب النّبيِّ العظيم
ما قد جرى للبلاد...
(ماذا دهاكِ ؟) يقولُ الدّليلُ ..
انتبهتُ
وقد مدَّ لي من رضاهُ يداً
وما هي إلّا ثوانٍ
وغاب
***
صحوتُ.. ومن سحرِ تلك القوافل ِ
بي غمرةٌ وفتون
وبي دهشةٌ وسؤالٌ حزين
فهل كنتُ أنتظرُ الرّاحلين لطيبةَ
كي يأخذوا من يديَّ
لقلب الرّسول الأمينِ
خطابَ انكسارِالبلادِ
وحزنِ العباد ؟
***
في الخطاب حقولٌ من الزّنبق السّومريّ
قلتُ أحرَقها الغاصبون ..
في الخطابِ جرى نهرُ دمعٍ ..
آهِ كم بكت الأمّهاتُ الحنوناتُ
رياحينهنَّ !
في الخطاب رسمتُ العراقَ الجميلَ البهيّ
وفي صدره خنجرٌ
وثمَّ حديدٌ تجرَّأَ يقسو على المعصمَين
في الخطاب العزيز ذكرتُ
البيوتَ الّتي قُصفت ..
والدّماءَ الّتي نَزفت ..
والغريبَ الّذي جاء من داره عنوةً
ليهدمَ داري
في الخطاب عرائسُ شيّعنَ زوجاً وأهلا
وأرضٌ بحزن ِالملايين ِ حبلى
في الخطاب غيومٌ ..ورعدٌ..وبرقٌ
وجوعٌ ..ويتمٌ ..وحزنٌ ..وخوفٌ
وما لايطاق
بأهل العراق
بعد هذا وضعتُ غزالةَ روحي
لتسرح في عطره السّرمديّ
***
لذا لستُ أرجو سوى
أن أعودَ لتلك الثّواني
الّتي شغلت رؤيتي في المنامِ
بأحلى زمانٍ وأحلى مكان
ليتني لم أفقْ
ليت رؤيايَ صحوٌ يدوم

إرسال تعليق