الفريق الركن صباح نوري العجيلي
من السهل إشعال الحروب، لكن من الصعب إيقافها، والأصعب من ذلك تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية. وهذه الحقيقة تبدو واضحة في الحرب الروسية–الأوكرانية، كما تبرز في المواجهة الأمريكية–الإيرانية؛ إذ يجد كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه أمام حرب لم تسر وفق الحسابات التي سبقت اندلاعها.
ورطة بوتين في اوكرانيا:
تصور بوتين، عند اتخاذ قرار الحرب على أوكرانيا، أنه قادر على حسمها خلال فترة قصيرة، وإجبار كييف على القبول بشروط موسكو . لكن الحرب طالت لسنوات، ولم تحقق روسيا جميع أهدافها المعلنة، فيما تمكنت أوكرانيا من المحافظة على قدرتها القتالية وتطوير وسائلها الهجومية، ولاسيما الطائرات المسيّرة، التي باتت تصل إلى العمق الروسي وتستهدف منشآت نفطية وكهربائية وأهدافاً داخل محيط العاصمة موسكو. وفي المقابل، دخل حلف الناتو عملياً إلى جانب اوكرانيا من خلال الدعم العسكري والاستخباري واللوجستي ، وفرضت الدول الغربية عقوبات واسعة على روسيا، بينما تدفقت الأسلحة والمعدات الحديثة إلى الجيش الأوكراني، الأمر الذي حوّل الحرب إلى مواجهة استنزاف طويلة، تتجاوز حدود الصراع الروسي–الأوكراني المباشر. ومع طول أمد الحرب وتزايد الحاجة إلى القوى البشرية، اضطرت موسكو إلى الاستعانة بمقاتلين أجانب، من بينهم قوات من كوريا الشمالية، إضافة إلى مقاتلين ومتطوعين من دول أخرى، في مؤشر يعكس حجم الاستنزاف الذي فرضته الحرب على القوات الروسية. وهكذا تحولت الحرب، التي كان يُفترض أن تكون عملية عسكرية سريعة، إلى مأزق استراتيجي طويل الأمد؛ فالحرب يمكن أن تبدأ بقرار سياسي،لكنها لا تنتهي بالقرار نفسه ما لم تتوافر شروط الحسم أو التسوية.
ورطة الرئيس ترامب مع إيران:
أما ورطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع إيران، فلا تقل أهمية من حيث المبدأ، وإن اختلفت طبيعة الجغرافيا والقدرات والظروف الاستراتيجية. فقد دخلت واشنطن الحرب وهي تراهن على التفوق العسكري الهائل، ولا سيما القوة الجوية والصاروخية، وعلى إمكانية إجبار إيران خلال فترة قصيرة على قبول الشروط الأمريكية . لكن استمرار الحرب وتطورها يكشفان أن الحسابات المسبقة لا تتحقق دائماً في الميدان . فإيران، بدلاً من الدخول في مواجهة تقليدية مباشرة مع القوة الأمريكية، اتجهت إلى استخدام أوراق غير متماثلة ، وفي مقدمتها الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب ورقة مضيق هرمز وما يرتبط بها من تأثير مباشر في أمن الطاقة والأسواق العالمية . وتدرك طهران أن هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل ورقة ضغط استراتيجية يمكن أن ترفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها، وتضع الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة أمام احتمالات اضطراب واسعة. وفي المقابل، فإن التهديدات الأمريكية، مهما بلغت قوتها، لا تكفي وحدها لإنهاء الحرب ما لم تقترن بقدرة فعلية على فرض نتائج سياسية على الأرض. كما أن التفوق الجوي، على أهميته، لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق الحسم النهائي، خصوصاً عندما يكون الخصم واسع الجغرافيا، متعدد وسائل القتال، وقادراً على مواصلة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة واستخدام أوراق الضغط الاستراتيجية.
الدرس المشترك:
تكشف تجربتا بوتين وترامب أن المشكلة لا تكمن في القدرة على بدء الحرب، وإنما في القدرة على التحكم بمسارها ونهايتها. فقد تبدأ الحرب بضربة جوية أو قرار سياسي، لكنها سرعان ما تتحول إلى معادلة معقدة تتداخل فيها القدرات العسكرية، والإرادة السياسية، والاقتصاد ، والجغرافيا،والتحالفات، وقدرة الخصم على التكيف والاستنزاف. ولهذا فإن من السهل إشعال الحرب، لكن من الصعب إيقافها، والأصعب تحقيق أهدافها بالشروط التي أرادها من أشعلها . والحسابات الخاطئة هي التي تحول الحرب من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية إلى ورطة استراتيجية تستنزف القوة والوقت والاقتصاد ، وتدفع صاحب القرار في النهاية إلى البحث عن مخرج تفاوضي بعد أن تكون كلفة الحرب قد تجاوزت التقديرات الأولى . إن تجربة بوتين مع أوكرانيا، وتجربة ترامب مع إيران، تؤكدان أن التفوق العسكري لا يكفي وحده لصناعة النصر، وأن الحروب لا تُحسم دائماً من الجو، ولا بالتهديدات، وإنما بقدرة الدولة على تحويل القوة العسكرية إلى نتائج سياسية قابلة للتحقق.

إرسال تعليق