بسم الله الرحمن الرحيم ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ العنكبوت: 57

مشاهدات



بسم الله الرحمن الرحيم


﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾

العنكبوت: 57


بقلوب يعتصرها الألم، ونفوس أثقلها الفقد، وبحزن لا تكفي لوصفه الكلمات، أنعى فقيدة قلبي، عمتي العزيزة، الأستاذة وداد حسين علي العاني، التدريسية في كلية الزراعة – جامعة بغداد سابقًا، وزوجة الدكتور كمال الصالح، التي غادرت هذه الحياة تاركةً في الروح فراغًا لا تملؤه الأيام. لأن بعض الناس لا يكونون مجرد أقارب في شجرة العائلة، بل يصبحون جزءًا من تكويننا الداخلي، من ذاكرتنا، ومن المعنى الذي أخذناه عن الحياة. وكانت عمتي وداد واحدة من أولئك الذين لم تكن صلتهم بنا صلة دم فحسب، بل صلة روح ومكانة ومحبة عميقة لا تحتاج إلى تفسير.


رحلتِ، لكنني أشعر أن شيئًا مني قد رحل معكِ.


كنتِ بالنسبة لي أكبر من عمة، وأقرب إلى معنى من معاني الأمان والحنان والاحترام. وكانت لكِ في قلبي منزلة لا تشبهها منزلة، ولهذا فإنني لا أستطيع أن أتعامل مع رحيلكِ بوصفه خبرًا من أخبار الموت؛ لأن بعض الوفيات لا تكون مجرد غياب شخص، وإنما تكون غياب عالم كامل كان يسكن فينا. وأنا أشعر اليوم أن القدر لم يأخذ إنسانة أحببتها فحسب، بل أخذ جزءًا من الذاكرة التي كنت أعود إليها كلما أردت أن أستعيد شيئًا جميلًا من الحياة.


كيف يمكن للكلمات أن تصف إنسانة كان حضورها أكبر من الكلام؟


وكيف يمكن للرثاء أن يستوعب حزنًا لا يأتي من فقدان شخص فقط، وإنما من فقدان ذلك الشعور الذي كان يقول لنا، دون أن نتكلم:


إن هناك من يحبنا، ومن يعرفنا، ومن يحمل لنا في قلبه مكانًا لا يتغير.


كنتِ أستاذةً في العلم، لكن قيمتكِ عندي لم تكن فيما حملتِ من لقب أكاديمي، ولا فيما تركتِ من أثر في الجامعة وميدان الزراعة، وإنما فيما تركتِه في قلوب من عرفوكِ. فبعض الناس يقاس أثرهم بما كتبوا أو علّموا، وبعضهم بما بنوا، أما أنتِ فكان جزء كبير من أثركِ في الإنسان الذي كنتِ عليه.


واليوم، وأنا أكتب عنكِ، أكتشف عجز اللغة أمام الموت.


نستطيع أن نصف المدن، والكتب، والسنوات، والحروب، والانتصارات، لكننا عندما نفقد شخصًا نحبه حقًا تصبح اللغة فقيرة، لأن الحزن أعمق من أن يُقال.


ربما لهذا لا أبكيكِ لأنكِ متِّ فقط، بل أبكي كل الأشياء التي لن تحدث بعد الآن.

أبكي لقاءات كان يمكن أن تكون.

أبكي أحاديث كان يمكن أن تمتد.

أبكي صوتًا لن أسمعه.

وأبكي ذلك المستقبل الصغير الذي كنا نعتقد، ببساطة الإنسان، أنه سيبقى متاحًا لنا دائمًا.

الموت قاسٍ لأنه لا يأخذ الماضي وحده؛ إنه يأخذ معه احتمال المستقبل أيضًا.

ومع ذلك، يبقى في القلب يقين لا يستطيع الحزن أن يهزمه:

أن الإنسان لا يموت كله حين يموت جسده.

فما أعطاه من محبة يبقى.

وما تركه من أثر يبقى.

والكلمات التي قالها لنا تبقى.

والصور التي احتفظنا بها تبقى.

والقيم التي تعلمناها منه تبقى.

والأجمل من كل ذلك أن الإنسان قد يغيب عن أعيننا، لكنه يستمر في تشكيلنا من حيث لا نشعر. ولهذا، يا عمتي وداد، لن يكون غيابكِ نهاية حضوركِ في حياتي.


ستبقين في ذاكرتي.


في دعائي.


في الأشياء الصغيرة التي ستذكرني بكِ فجأة. وفي ذلك المكان الخاص من القلب الذي لا يستطيع الموت أن يدخله.


رحمكِ الله رحمةً تليق بقلبكِ، وغفر لكِ، وأنار قبركِ، وجعل العلم الذي حملتِه، والإنسان الذي أحببتِه، والأثر الذي تركتِه، شواهد لكِ لا عليكِ.


وإلى أبنائها ومحبيها، أقول:


إن العزاء لا يعيد الراحل، ولا يمحو وجع الفقد، لكنه يذكّرنا بأن من نحبهم لا يرحلون وحدهم؛ بل يتركون وراءهم محبةً واسعة، وذكرياتٍ كثيرة، وقلوبًا ستظل تدعو لهم ما بقي في العمر بقية.


لهذا أتقدم إليكم بأصدق مشاعر العزاء والمواساة، سائلةً الله تعالى أن يتغمدها بواسع رحمته، وأن يجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، وأن يمنحكم الصبر والسكينة.


أما أنا، فسأحتفظ بحزني عليها كما يحتفظ الإنسان بشيء عزيز لا يريد أن يتخلص منه؛ لأن بعض الأحزان ليست عبئًا نريد التخلص منه، بل أثر حبٍّ عظيم لا نريد أن ننساه.


نامي بسلام يا عمتي .

فقد تعجز الكلمات عن إبقائكِ بيننا، لكن المحبة التي تركتِها فينا ستفعل.


إنا لله وإنا إليه راجعون.


ولاء العاني

مدير عام وكالة حمورابي الإخبارية




تعليقات

أحدث أقدم