هرمز وملقا: نموذجان لإدارة الممرات البحرية الاستراتيجية

مشاهدات



الفريق الركن صباح نوري العجيلي


يُعد مضيقا هرمز وملقا من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يشكلان ركيزتين أساسيتين لأمن الطاقة والتجارة الدولية. فمضيق هرمز يمثل بوابة صادرات النفط والغاز من الخليج العربي إلى الأسواق العالمية، بينما يشكل مضيق ملقا الشريان البحري الذي يربط المحيط الهندي بالمحيط الهادئ، وتعتمد عليه الاقتصادات الآسيوية الكبرى في تأمين احتياجاتها من الطاقة والتجارة . ورغم التشابه في أهميتهما الاستراتيجية، فإن أسلوب إدارة الملاحة فيهما يختلف بصورة جوهرية. ففي حين ينظر إلى مضيق ملقا بوصفه نموذجاً للتعاون الدولي بين الدول المشاطئة وضمان حرية الملاحة، لا يزال مضيق هرمز يشهد تجاذبات سياسية وعسكرية، وتتعامل معه إيران باعتباره ورقة نفوذ استراتيجية تستخدمها في إطار صراعاتها الإقليمية والدولية. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: 


هل يمكن أن يتكرر نموذج ملقا في مضيق هرمز؟ 


وهل يمكن تحوي لأحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم من ساحة للتوتر والردع إلى نموذج للتعاون الدولي يضمن أمن الملاحة واستقرار أسواق الطاقة العالمية؟


1- مضيق هرمز... ممر دولي لا يخضع لدولة واحدة

رغم الخطاب الإيراني الذي يوحي بأن طهران صاحبة القرار الوحيد في المضيق، فإن الحقيقة القانونية والجغرافية تختلف عن ذلك. فمضيق هرمز ممر مائي دولي، وتشترك إيران وسلطنة عمان في الإشراف على مياهه باعتبارهما الدولتين المتشاطئة ، بينما تكفل قواعد القانون الدولي حق المرور العابر للسفن التجارية والعسكرية، ولا يجوز تعطيل الملاحة الدولية فيه بصورة منفردة . ويبلغ عرض المضيق في أضيق نقاطه نحو 33 كيلومتراً، في حين لا يتجاوز عرض ممري الملاحة المخصصين لدخول السفن وخروجها بضعة كيلومترات، ويفصل بينهما شريط أمان. ولذلك تخضع حركة الملاحة لنظام دولي منظم يهدف إلى ضمان سلامة العبور ومنع الحوادث والمحافظة على انسياب التجارة العالمية.


2- مضيق ملقا... نموذج ناجح للإدارة المشتركة :

يقدم مضيق ملقا نموذجاً مختلفاً في إدارة الممرات البحرية الاستراتيجية . ويقع بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، ويعد أحد أكثر المضائق ازدحاماً في العالم، إذ يربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي والمحيط الهادئ. ويبلغ طول المضيق نحو 930 كيلومتراً، بينما يصل عرضه في أضيق نقطة، عند مضيق فيليبس قرب سنغافورة، إلى نحو 2.8 كيلومتر فقط، وهو أضيق من مضيق هرمز في مناطق الملاحة الرئيسة. ورغم هذا الضيق الشديد، لم يتحول مضيق ملقا إلى وسيلة للابتزاز السياسي أو العسكري، بل تتعاون الدول المشاطئة في تأمينه، مع مساهمة الدول المستفيدة من الملاحة في تمويل برامج السلامة البحرية، وصيانة المنارات، وتطوير أنظمة الإرشاد والإنقاذ، من خلال مساهمات طوعية، مع بقاء الملاحة الدولية مفتوحة لجميع السفن وفق قواعد القانون الدولي.


3- هل يمكن تطبيق نموذج ملقا على مضيق هرمز؟

تفتح تجربة مضيق ملقا الباب أمام التفكير في نموذج مشابه لإدارة مضيق هرمز، يقوم على التعاون بين الدول المشاطئة والدول المستفيدة من الملاحة الدولية، بدلاً من تحويل المضيق إلى ساحة للصراع السياسي أو العسكري. ومن هنا يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي ، بالتنسيق مع سلطنة عمان والدول المستفيدة من الملاحة، طرح مبادرة لتطوير منظومة أمن الملاحة في مضيق هرمز، تقوم على تعزيز التعاون البحري، وتحديث وسائل الإرشاد والإنقاذ، وإنشاء صندوق للمساهمات الطوعية يخصص لتمويل مشاريع السلامة البحرية، مع احترام سيادة الدول المشاطئة وحرية الملاحة في الوقت نفسه.


4-  البعد السياسي للموقف الإيراني

يبدو أن تمسك إيران بمضيق هرمز لا يرتبط فقط بأهميته الاقتصادية والعسكرية، بل أيضاً باعتبارات سياسية داخلية؛ إذ تسعى القيادة الإيرانية إلى تقديم استمرار نفوذها في المضيق بوصفه دليلاً على صمودها في مواجهة الضغوط الأمريكية والغربية، وتوظف هذا الخطاب لتعزيز شرعية النظام أمام الرأي العام الداخلي . غير أن تحويل المضيق إلى أداة للردع أو الضغط السياسي ينعكس سلباً على أمن الطاقة العالمي،ويزيد من احتمالات التصعيد العسكري ، الأمر الذي يضر بجميع الأطراف، بما فيها إيران نفسها.


5- البعد القانوني للمضيقين:

تنظم اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 الملاحة في المضائق الدولية من خلال مبدأ المرور العابر (Transit Passage ) ، الذي يضمن حق السفن والطائرات في العبور المستمر والسريع عبر المضائق التي تربط بين بحرين أو منطقتين من أعالي البحار أو المناطق الاقتصادية الخالصة. ويعد مضيق هرمز من أبرز المضائق التي تنطبق عليها هذه الأحكام، مما يعني أن حرية الملاحة فيه حق تكفله قواعد القانون الدولي، ولا يجوز لأي دولة مشاطئة تعطيلها أو تقييدها بصورة منفردة إلا في الحدود التي يجيزها القانون الدولي. ورغم أن إيران وسلطنة عمان تمارسان سيادتهما على مياههما الإقليمية داخل المضيق ، فإن هذه السيادة ليست مطلقة، بل مقيدة بحقوق المرور العابر التي تتمتع بها جميع السفن التجارية والعسكرية. وفي المقابل، يشكل مضيق ملقا نموذجاً عملياً لاحترام هذه المبادئ، إذ احتفظت الدول المشاطئة بسيادتها الوطنية، وفي الوقت نفسه تعاونت لضمان أمن الملاحة وسلامتها، دون أن يتحول المضيق إلى وسيلة لفرض الإرادة السياسية على المجتمع الدولي.


الخاتمة :

إن مستقبل مضيق هرمز ينبغي ألا يبقى رهينة للتجاذبات السياسية أو الحسابات العسكرية، لأن أمنه يرتبط بصورة مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولي. وتؤكد تجربة مضيق ملقا أن الإدارة التعاونية للممرات البحرية، واحترام القانون الدولي، وإشراك الدول المستفيدة في دعم أمن الملاحة، تمثل الخيار الأكثر استدامة للحفاظ على حرية العبور واستقرار التجارة العالمية . ومن ثم، فإن تحويل مضيق هرمز من ورقة للضغط السياسي إلى ممر دولي آمن يخدم مصالح جميع الأطراف، سيكون خطوة استراتيجية تعزز الأمن الإقليمي وتدعم استقرار النظام الاقتصادي العالمي،بدلاً من إبقاء أحد أهم شرايين التجارة الدولية عرضةً للأزمات والتصعيد.

تعليقات

أحدث أقدم