مشاهدات
صباح الزهيري
كتب ابراهيم البهرزي :
يجلس الذئب في صالة المعيشة , هو لا يفعل شيئا , يضع ساقا على ساق ويجلس هكذا , في بيتنا القديم كما في بيتنا الجديد , المفترس ُ والداجن كنايات تبادل ُ ما بينها الطقوس , بين حين وحين كان ثمة من يختفي , نبحث عنه , ويبحث الذئب معنا دون جدوى , وليس صدفة ان من يختفي هو الاجمل , وليس صدفة ان الاشد حزنا بيننا هو الذئب , الألفةُ الصُلبة التي بلورها الزمان صارت لا تمنحنا حق الشك , يمضي الذئب وينام في فراش من يشاء , يحلم الذئب وتنفرط الحياة عن ذئاب نألفها ومن تُعايش َ طفولته تألفه ُ حتما ولأمر ٍ ما لا تقول له :
كفى , ولامرٍ ما نضحك جميعا ضحكة الذئب , ويختفي من يختفي , ويبحث من يبحث يحزن من يحزن ويضحك من يضحك وكل شيء على ما يرام ,
انها ألفةِ صُّلبة التي جعلت الذئبَ شريكاً في البيتِ والوساد .
يا سادة يا كرام , أولي النهى والأحلام , اسمعوا حديثاً ليس بالهذر , بل هو أدهى وأمرّ , حُكيَ عن بهرز وما فيها من شجون , وعن ذئبٍ سكن المتون , فصار كأنه من أهلِ الدار , يُشاركهُم ليلَهم والنهار , إليكم مَقامةً في تأويل الرمزِ والبيان , وكيف استوطنَ الخوفُ في زوايا المكان , فكّ رموز الذئب والدّار , حيث جلوس الذئب هو الأمر الواقع الذي يفرض سطوته بهدوء , لم يعد خطراً خارجياً بل صار جزءاً من أثاث الروح والمنزل , اما عبارة ساقٌ على ساق , فهو استعارة لـ الاسترخاء السلطوي , والمفترس لا يخشى فريسته , بل يعيش معها في طمأنينة الغالب , واختفاء الأجمل , رمز للخسارات النوعية , فالحروب والظلم يختطفان دائماً الأنقى والأبهى , ويتركان الأشد حزناً الذئب يمثل دور الناعي , اما ضحكة الذئب , هي العدوى الأخلاقية , حين يتماهى الضحايا مع الجلاد , فيضحكون بمرارة لمجرد البقاء على قيد الحياة. أما التعليقُ على ما سطرَه الأديب , فهو لعمري مِحنةُ اللبيب , لقد صبغَ إبراهيم البهرزي القسوةَ بصبغة الألفة , وجعل الفجيعةَ تمشي في ركابِ العادةِ واللفة , فوا عجباً لذئبٍ يبحثُ مع الباحثين , ويحزنُ مع المحزونين , وهو الذي طوى في جوفهِ الأطهار , وأظلمَ بظلهِ الأنوار , إنها سيرةُ التعايش مع الخطر حيثُ يصيرُ الوحشُ جليساً , والدمُ المراقُ حديثاً ومؤنساً , لم يعد الذئبُ هنا غريباً يطرقُ الباب , بل صار رباً للبيتِ يحلمُ فوقَ الثياب , إنها صورةٌ عن الخوف حين يتربى في الأحضان , فلا يُردعُ بلسانٍ ولا بسنان .
لم ينطق البهرزي عن الهوى , بل كشفَ عن جرحٍ في الوعيِ قد استوى , فكيفَ يسكنُ الذئبُ صالةَ المعيشة دونَ نكير , ويضعُ ساقاً على ساقٍ كأنه الأمير ؟
إنها سيكولوجيةُ الاعتياد , حين يملُّ الناسُ من الطراد , فيرضونَ بالقاتلِ جليساً , وبالخطرِ أنيساً , لقد بلورَ الزمانُ ألفةً صلبة هي في الحقيقةِ قيدٌ , وخديعةٌ ما بعدها كيد , إذ كيف يُمنحُ حقُّ الشك لمن غدا من الأهلِ والخلّان , وتطهرت مخالبهُ في أعيننا بمرورِ الأزمان؟ إنها مأساةُ الضحيّة حين تعشقُ مَن يُفنيها , وترى في حزنِ الذئبِ دمعةً تُواسيها. في عبثيةِ البحثِ والضحكِ المرير, قمةُ التأثير , تأمل في قوله :
نبحثُ عنه , ويبحثُ الذئبُ معنا ,
تجد مفارقةً تُبكي العيون وتؤلمُ المعنى , فالذئبُ الذي يعلمُ أين اختفى الأجمل , يتظاهرُ باللوعةِ ولا يتعجل , يشاركُ في التفتيشِ وهو العارفُ بالخبيئة , ويُبدي الحزنَ وهو صاحبُ الدنيئة , ثم تأتي القاضيةُ في ضحكةِ الذئب الجماعية , لتُعلنَ انتصارَ العدوى الهمجية , فالمجتمعُ الذي لا يجرؤُ أن يقول للوحشِ :
كفى , هو مجتمعٌ قد استسلمَ للردى وانطفأ فيه الوفا , ينتهي النصُّ بعبارة كلُّ شيءٍ على ما يرام , وهي ذروةُ التهكمِ والآلام , إذ كيف يستقيمُ الحال , والذئبُ ينامُ في فراشِ من رحلوا من الرجال؟
إنها حالةٌ من الاستكانةِ الوجودية , التي تجعلُ من الفجيعةِ مشهداً عادياً في السيرةِ اليومية. فانظر يا رعاك الله , كيف صرنا نألفُ من ينهشنا , ونُجالسُ من بالرعبِ يوحشنا , تفرقت بنا السبل , وضاعت في الفقدِ الحِيَل , والكلُّ يضحكُ ضحكة الذئب إخفاءً للعويل , وهرباً من واقعٍ ثقيل , وحسبنا أننا نمضي والذئبُ معنا , لا هو تركنا ولا نحنُ استعدنا ما ضاعَ منّا .
تمت المقامة , ولكلّ قارئٍ فطانةٌ وعلامة.

إرسال تعليق