مآلات القراءة الخاطئة

مشاهدات


د. ضرغام الدباغ


الجدال حول صوابية هذا القرار أو ذاك من القرارات السياسة، لا يمكن اتخاذها بالمقاييس البراغماتية، وليس من النادر أن يخطأ السياسيون في قراراتهم البراغماتيةـ التي لا حلال ولا حرام عندها، بداعي أن حماية المصالح الوطنية تتقبل سلوك مسالك براغماتية، فهذه القرارات حين يتخذها رجال حكم تجاربهم في السياسة والحكم ضئيلة، وفي ظل أنظمة توتالية، فردية، طغيانية، ديكتاتورية، ترتكب غالباً الأخطاء التي توقع البلاد والسكان في أتون صراعات، قد تكون المعركة العسكرية من صفحاتهاـ وفي الحسابات اللاحقة ستتيقن القيادة التي أتخذت هذا القرار الذي أعتقدت بصوابه يوم أتخاذه، أنها كانت مغالية في قدراتها، وبالمقابل ابخست قيمة القوى المواجهة. ولكن هذه مراجعة لن تعيد التاريخ للوراء ....!

كثيرة جداً هي هذه القرارات التي لا نناقش فيها أهمية المسعى/ الهدف الوطني . بل أن القرار برمته لا يحمل مقومات واحتمالات النجاح، وبعيداً عن أجواء الوطنية وما يرافقها غالباً من هياج وحماس وتحريض، وغالباً ما تتخذ أساليب الغوغاء طريقها إلى الجمهور، فيشتد تواصل ابتعاد السفينة عن شاطئ السلامة. وقد تبذل قيادة ما جهود مضنية، وتضحيات كبيرة، من أجل الحصول على هدفها، ولكن الفشل سيكون مآل هذه المحاولات، لأن مطلبها الحثيث كان يتجاهل الرؤية الشاملة للموقف ورؤية كامل الخريطة السياسية الحالية والمحتملة، والتغييرات المتوقعة، والرؤية الشاملة هنا نعني بها، المعطيات السياسية والاقتصادية والعسكرية، المادية الواقعية، والدراسة العلمية لها . مثال على ذلك، هو القرار الذي أتخذته القيادة الارجنتينية عام 1982 باستعادة جزر مالوين (فوكلاند بالانكليزية)، ولا يشك أحد أن الجزر هي أرجنتينية الأصل صارت عائديتها لبريطانيا أيام كانت أمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، ولم تكتف بريطانيا بأستعمارها، بل ضمتها كأرض لسيادة المملكة المتحدة عليها، وملفات المطالبة الارجنتينية عليها متواصل من عقود كثيرة من الملفات الخالدة التي لا تجدي المطالبة السلمية بها.

ولكن غزو الجزيرة وهي وفق القانون الدولي أرض بريطانية، لم يكن من المتوقع أن تتنازل عنها بريطانيا، وبالفعل أستعادتها بريطانيا بعد حملة عسكرية وكانت خسائر الجانبين كبيرة نسبياً بعمليات أستغرقت شهرين ونصف تقريباً .كلفت خسائر بشرية نحو 500 فرد في كل من الجانبين، ناهيك عن خسارة معدات حربية. والحرب عادت بالوبال على القيادة العسكرية الحاكمة في الأرجنتين، فأقصيت عن الحكم وقدمت للمحاكمة. هناك حكمة سياسية تقال للقادة، لا تتخذ قراراً برأس ساخن، وصفة الغضب ليست من الصفات المحمودة، ويندر أن يكون الغضب مفيداً لمعالجة أي مشكلة، فالثابت علمياً، أن الغضب يحجب قدراً مهماً من قدرة التفكير، وبالتالي فإن القرار المتخذ من حالة الغضب ينطوي على قدر من الخطأ. في القرارات السياسية، المهم فيها أن تكون سليمة سياسياً (في الحسابات الاستراتيجية) وقانونياً. وآخر ما يستحق النظر فيه هو الهياج العاطفي، الذي قد يمثل ثقلاً ضاغطاً على قرارات القيادات السياسية.

تعليقات

أحدث أقدم