حرب الممرات الاستراتيجية : المواجهة مع نظام الملالي وتداعياتها على النظام الدولي

مشاهدات





د. سامي خاطر

آكاديمي وأستاذ جامعي



تصعيد عسكري يختبر حدود الردع
تشهد المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، ونظام الملالي في إيران من جهة أخرى، تحولاً متسارعاً من صراع ردعي محدود إلى اختبار شامل لهيكل الأمن الإقليمي والدولي. فخلال الأيام الاثني عشر الماضية، تداخلت العمليات العسكرية المباشرة مع حرب الرسائل الاستراتيجية، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على أن النظام الإيراني يسعى إلى توسيع دائرة الاشتباك لفرض معادلة ردع جديدة. في المقابل، تعكس العمليات الأميركية – الإسرائيلية اتجاهاً نحو تقويض القدرات العسكرية الحساسة للنظام دون الانجرار إلى حرب برية شاملة، وهي مقاربة تهدف إلى تحييد أدوات الضغط التي يستخدمها النظام لابتزاز المجتمع الدولي.


كلفة اقتصادية أوروبية تكشف هشاشة الاعتماد الطاقوي
في البعد الاقتصادي، بدأت آثار الحرب تتسرب سريعاً إلى الأسواق العالمية. فقد أعلنت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية ، أن الصراع فرض حتى الآن تكلفة إضافية تقارب ثلاثة مليارات يورو على المستهلكين الأوروبيين. وارتفعت أسعار الغاز بنسبة 50% والنفط بنسبة 27 % ، ما يعكس هشاشة منظومة الطاقة الأوروبية أمام أي اضطراب في الخليج . وتُظهر هذه الأرقام أن التوتر مع نظام الملالي لم يعد شأناً إقليمياً، بل أصبح عاملاً ضاغطاً على الاقتصاد العالمي، خصوصاً في ظل اعتماد الأسواق على ممرات الطاقة البحرية الحساسة.


مضيق هرمز: ساحة اختبار للسيطرة البحرية
يتجلى البعد الاستراتيجي للصراع بوضوح في مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. فقد تعرضت ثلاث سفن لمقذوفات مجهولة المصدر، بينما اندلع حريق في سفينة شحن قرب السواحل العمانية قبل السيطرة عليه. وفي المقابل أعلنت القيادة المركزية الأميركية – سنتكوم تدمير 16 سفينة زرع ألغام تابعة للنظام الإيراني قرب المضيق. كما أكد دونالد ترامب أن القوات الأميركية دمرت 10 سفن ألغام إضافية خلال ساعات. ويشير هذا التصعيد البحري إلى محاولة النظام استخدام تهديد الملاحة الدولية كورقة ردع، وهي استراتيجية لطالما اعتمدها لتوسيع نفوذه الإقليمي رغم هشاشة قدراته العسكرية التقليدية.


الضربات العميقة ورسائل القوة الأميركية
على المستوى العملياتي، كشفت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن قاذفات B-2 ألقت عشرات القنابل الثقيلة على مواقع صاروخية مدفونة عميقاً تحت الأرض . وتندرج هذه الضربات في إطار استراتيجية استنزاف البنية العسكرية الحساسة للنظام، بما يشمل منشآت الصواريخ ومنظومات القيادة. الرسالة التي تحاول واشنطن إيصالها واضحة :

أن المواجهة لن تتوقف قبل تحييد قدرة النظام على تهديد الاستقرار الإقليمي . غير أن هذه الاستراتيجية تحمل في الوقت نفسه مخاطر توسع الحرب إذا قرر النظام الرد عبر شبكات وكلائه في المنطقة.


رواية النظام : خطاب تعبوي يخفي أزمة داخلية
في المقابل، حاول الحرس الثوري تصوير العمليات الصاروخية ضمن ما سماه "الوعد الصادق 4"، مؤكداً أن "الموجة السابعة والثلاثين" كانت الأعنف. كما ادعى وزير خارجية النظام عراقجي توسع الدمار داخل إسرائيل. إلا أن هذا الخطاب التعبوي يعكس في جوهره محاولة لاحتواء تآكل الردع الداخلي، إذ يدرك النظام أن قدرته على خوض حرب تقليدية طويلة محدودة للغاية. لذلك يركز على الحرب النفسية والإعلامية لتعويض الخسائر العسكرية المتزايدة .


امتداد الصراع عبر شبكات الوكلاء
لم يقتصر التصعيد على الجبهة الإيرانية المباشرة . ففي العراق، تحدثت مصادر أمنية عن استهداف منشآت دبلوماسية أميركية قرب مطار بغداد بطائرات مسيرة، في حين نقلت وسائل إعلام مقربة من النظام مزاعم عن مقتل أميركيين . أما في الخليج ، فقد أعلنت الإمارات اعتراض صواريخ ومسيّرات أطلقت من إيران. وتكشف هذه الوقائع عن استراتيجية النظام القائمة على توسيع الصراع عبر وكلائه، في محاولة لتحويل المواجهة إلى نزاع إقليمي متعدد الساحات.


القمع الداخلي : الوجه الآخر للحرب
بالتوازي مع التصعيد الخارجي، صعّد النظام حملته القمعية داخل إيران. فقد أعلن المدعي العام أن أي تعاون مع "العدو" يعرض صاحبه لمصادرة الأموال، بينما هدد قائد الشرطة أحمد رضا رادان بمعاملة أي محتج كما يُعامل "العدو". ويعكس هذا التشدد خوف السلطة من تحول الحرب إلى شرارة احتجاج داخلي، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية وتراجع الشرعية السياسية للنظام.


الموقف الأوروبي بين دعم الشعب ورفض الحرب
أوروبياً، أكد رئيس المجلس الأوروبي أن الاتحاد يقف إلى جانب الشعب الإيراني وحقه في تقرير مصيره، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الحرية لا تُفرض بالقنابل بل يحميها القانون الدولي. ويعكس هذا الموقف التوازن الحساس بين رفض سياسات النظام الإيراني وبين الخشية من انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة قد تهدد الاستقرار العالمي.


خلاصة استراتيجية : نظام مأزوم ونظام دولي أمام اختبار
تكشف تطورات هذه الحرب أن نظام الملالي يواجه مأزقاً استراتيجياً مزدوجاً : تراجع قدرته على الردع العسكري من جهة، وتصاعد الضغوط الداخلية والخارجية من جهة أخرى. وفي المقابل، يختبر المجتمع الدولي حدود استراتيجيته في التعامل مع نظام يعتمد على التصعيد غير المتكافئ وابتزاز الممرات البحرية. وفي هذا السياق، تؤكد مواقف المقاومة الإيرانية بقيادة مريم رجوي أن حماية المدنيين ورفض استهداف البنية التحتية الحيوية يجب أن يبقيا أولوية، وأن الحل المستدام يكمن في تمكين الشعب الإيراني من تقرير مستقبله بعيداً عن سلطة الملالي. وبينما تستمر العمليات العسكرية والضغوط الاقتصادية، يبقى السؤال المركزي: هل تقود هذه المواجهة إلى إعادة رسم ميزان القوى في المنطقة، أم أنها مجرد فصل جديد في صراع طويل مع نظام يزداد عزلة وضعفاً؟

تعليقات

أحدث أقدم