مشاهدات
محمود الجاف
في هذا التشابك القاسي للمصالح والحروب والمآسي، كثيرًا ما أسأل نفسي:
كيف أعرف أنني على الحق؟
لم أعد أبحث عن يقينٍ كامل، بل عن صدقٍ في المراجعة .
هل أنحاز للعدل حقًا، أم لما يشبهني فقط؟
هل أرفض الظلم مطلقًا، أم حين يمسّني وحدي؟
وهل أملك الشجاعة لأعترف أنني قد أكون مخطئًا؟
تعلّمت أن الحق لا يسكن الأشخاص، بل يسكن القيم، وأن الطريق إليه يمرّ عبر الشك الصادق لا التعصب. ورغم كل هذا الحزن، أشعر بسعادة خافتة في العيد. ليست سعادة نسيان، بل نجاة. كأنها ومضة نور بقيت حيّة تحت ركام طويل من الألم. لقد أثقلتنا السنوات منذ احتلال العراق، حتى صار اليأس لغةً يومية، واختلطت الوجوه بالحقائق، واشتد الضباب حتى كاد القريب يغدو غريبًا، وكأن الفقد لم يعد حدثًا، بل قدرًا يُعاش. كثيرًا ما نجد أنفسنا أسرى تصورات لم نخلقها، لم نخترها، ولم نُعمل فيها عقولنا، لكنها تؤثر في حياتنا ومجتمعاتنا. أطروحات يرفعها شخص أو جماعة فتفرض نفسها على الآخرين، حتى لو كانت مدمرة، أزهقت الأرواح وبددت القيم.
من أيام الشاه إسماعيل الصفوي وحتى نزاعات العصر الحديث، رأينا كيف يمكن لرؤية واحدة أن تحرك الجيوش، وتفرق الإخوة، وتزرع الحقد والدمار . لا لأنها بالضرورة صائبة، بل لأن البشر كثيرًا ما ينحنون لما يُقدَّس دون سؤال، دون مراجعة، دون وعي.
قبل أن نتبنى أي طرح، علينا أن نسأل:
هل هو عادل؟ هل يخفف الظلم أم يزيده؟
هل يبني الإنسان أم يهدمه؟
هل يحفظ الحياة والقيم التي أمرنا الله بها، أم يستخف بها باسم مبرراته؟
القوة الحقيقية ليست في من يطرح الفكرة، بل في تأثيرها على الناس. والحرية الحقيقية ليست في الهروب من الأشخاص، بل في مقاومة الانقياد الأعمى، وفي السؤال الذي لا يهدأ :
هل ما أتبعه حق، أم وهم؟
علينا أن نكون حكماء، نمتحن ما نؤمن به كما نمتحن حياتنا، وألا نسلّم مصائرنا لما لم نختره بعقلنا ووعي قلبنا. فالتاريخ، وإن كان مثقلاً بالجراح، لم يخلُ من أولئك الذين امتلكوا شجاعة السؤال، واختاروا طريق الحق، ولو ساروا فيه وحدهم.
فالإنسان الحر هو الذي يسأل دائمًا:
هل ما أحتضنه يزيد العدل في هذا العالم، أم يزيد الألم والظلم؟
هذا السؤال هو بداية حكمة لا تموت، وفتح باب للوعي الذي أراده الله لنا.
ومع ذلك، أشعر أن شيئًا ما يتغير. الضباب، وإن طال، بدأ ينحسر. وتشابك الأعداء كشف ملامحهم، والحقيقة ببطء موجع تستعيد شكلها. ليس لأن الألم انتهى، بل لأن الوعي بدأ ينتصر له، ونعمة الله تتجلّى في بزوغ بعض النور بعد طول ظلام. لهذا سأفرح بالعيد؛ كفعل مقاومة، وإيمان بأن الحياة لا تُختصر في مأساتها، وأن المستقبل مهما تأخر قد يكون أكثر عدلًا ورحمة مما عرفناه.
لا أملك يقينًا كاملًا، لكني أملك هذا الإحساس الهادئ:
أن القادم أوضح ... وربما أرحم.
أدعو الله لكم بالعمر المديد، وأن يكون كل يوم في حياتكم عيدًا، مليئًا بالأمل والنجاح والسعادة، وبإنجاز جديد يليق بقلوبكم.
كل عام وأنتم بخير.

إرسال تعليق