مقامةُ الكتابُ الذي لا يُقرأُ من عنوانِه

مشاهدات


صباح الزهيري


قالَ الشيخُ الأَفَنديُّ أصلحَ اللهُ حالَهُ ومآلَهُ , مُخاطِبًا أهلَ العقلِ والبيانِ , ومُجاوِبًا دُعاةَ التَّسَرُّعِ والعِجْلانِ :

أيها السادةُ الكِرامُ , حِكاياتٌ على حافَّةِ الأوهامِ , يا سادتي , يا أهلَ اللُّبِّ والنُّهى , قد شاعَ فينا قولٌ كالمَرَضِ المُسْتَطيرِ , وصارَ كالدُّستورِ الذي لا يَحيدُ عنه الأَميرُ ولا الفقيرُ , وهو قولُهم السَّاذجُ :
الكتابُ واضحٌ من عنوانِه ,

وقد أَجْرَوْهُ على الأَلْسِنةِ , وجَعَلُوهُ قاعِدةً في شُؤونِ الدُّنيا مُعلَنةً , كأنَّها حقيقةٌ منزَّلةٌ لا يَأتِيها الباطلُ من بينِ يديها ولا من خَلْفِها , ويا لَلْعَجَبِ , كمْ من مقولةٍ ومَثَلٍ وحِكمةٍ نَرْكَنُ إليها , وهي لا تَستنِدُ إلى بَيانٍ عِلميٍّ , ولا إلى عمقٍ فلسفيٍّ , بل هي نَتائِجُ تجاربَ متفرِّقةٍ , صاغَتْها أَلْسِنَةٌ مُتَّفِقةٌ , وصارتْ لِبعضِنا دليلاً نَسيرُ على ضوئِهِ , وكتالوجًا نُركِّبُ به أَفكارَنا وأحكامَنا , فنَستعجِلُ القضاءَ قبلَ استيفاءِ الأَداءِ .

نقضُ السَّطْحيَّةِ , ورَدُّ القولِ على بادي الرَّقِيَّةِ ,ألا تَرَونَ معي يا رِفاقي , كمْ من مُصيبةٍ جَلَّتْ , وكمْ من كارثةٍ حَلَّتْ , نَتِيجَةَ هذا الاندفاعِ والتَّسَرُّعِ في الحُكْمِ على الأفكارِ والأشخاصِ , لقد جَعَلْنا من تِلكَ المَقولةِ حِكمةً مقدَّسةً , وطريقةً في التَّفكيرِ مُؤسَّسَةً , حتَّى أضحَتْ أسلوبًا للحياةِ , يَسْلُكُه أهلُ الغَباةِ , فكمْ من صالحٍ وُئِدَتْ خُطبتُه , وكمْ من مَكينٍ رُفِضَتْ صُحبَتُه , لأنَّ ظاهرَهُ لم يُرضِ الأَبصارَ , فصَدَّقوا أنَّ الكتابَ يُعرَفُ من غلافِهِ . مُفارَقةٌ مُحيِّرةٌ :

العربُ يقولونَ :
الكتابُ باينٌ من عنوانِه ,

والغَرْبُ يُعارضُهم قائلًا :
لا تحكم على الكتاب من غلافه Ever judge the book by its cover )) ,

سطحية قاتلة , وواللهِ , إنَّ قولَ العربِ هذا لمَغالطةٌ لا تَستقيمُ , فالقارئُ الفرنسيُّ رولان بارت قالَ عن العنوانِ :

هو عَتَبَةُ النصِّ ,

أيْ أنَّه يُرشدُكَ لتَقْتَنِيَ , لا لِتَقْضيَ , فإذا أَردْتَ الحُكْمَ , فاقْرأْ وحلِّلْ وناقِشْ , لا تَكتفِ بالبصيصِ ثمَّ تُصْدِرُ حُكْمًا كالرَّصاصِ , وكيفَ يكونُ هذا في قومٍ عَزَّزوا الجَوْهَرَ على الظَّاهِرِ؟ أليسَ رسولُنا الأعظمُ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- قالَ :

إنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إلى أجْسامِكُمْ، وَلا إلى صُوَرِكُمْ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ ؟ , أو ليسَ الفاروقُ عمرُ بنُ الخطابِ -رضيَ اللهُ عنه- قالَ :

إني لأَرَى الرَّجُلَ فيُعجِبُني ,
فأَقولُ : ألَهُ حِرْفَةٌ ؟
فإن قالوا: لا , سَقَطَ من عَيْني؟

فقدَّمَ الجَوْهَرَ والسَّعْيَ على الجَسَدِ والطُّولِ والزَّيِّ , وصدقَ المتنبّي إذ قالَ :

وما الحُسْنُ في وَجْهِ الفَتَى شَرَفًا لهُ إذا لمْ يكُنْ في فِعْلِهِ والخَلائِقِ , ولا خَيْرَ في حُسْنِ الجُسُومِ وطُولِها إذا لم يَزِنْ حُسْنَ الجُسُومِ عُقُولُ .

بَينَ الدَّلالةِ والتَّسويقِ في رَفْعِ المَناطِيقِ إذا قُلْنا :

الكتابُ يَدلُّ عليه عنوانُهُ , فليسَ المُرادُ منه الحَرْفَ , كيفَ لِبِضعِ كَلِماتٍ أنْ تُحيطَ بمئاتِ الصفحاتِ ؟ إنَّما هو إشارةٌ بَعيدةٌ , وعَتَبَةٌ أَولى لا بُدَّ من اجتيازِها , ولكنَّها ليستِ النِّهايةَ ولا الغايةَ , لكنْ هيهاتَ , فقد صارَ العُنوانُ في زَمانِنا للتَّشويقِ والتَّسويقِ , يَتَخيَّرُهُ الكاتبُ بَرَّاقًا جَذَّابًا , حتَّى وإنْ لم يَعكِسْ ما احتواهُ الكِتابُ , فما أَصْدَقَ قولَ مصطفى لطفي المنفلوطي -رحمهُ اللهُ- حينَ قالَ :

لقد جَهِلَ الذين قالوا إنَّ الكتابَ يُعرَفُ بِعُنوانِه , فإني لمْ أَرَ بَينَ كُتُبِ التاريخِ أَكْذَبَ من كتابِ بدائعِ الزُّهورِ ولا أعذَبَ من عُنوانِه , ولا بَينَ كُتُبِ الأَدبِ أَسْخَفَ من كتابِ جواهرِ الأَدبِ ولا أَرَقَّ من اسمِه, هلْ دَلَّنا عُنوانُ نظرة ليوسف إدريسَ على فَقْرِ طِفلةٍ وحِرمانِها ؟ وهلْ أَفْصَحَ الشحاذ لنجيب محفوظٍ عن تَسَوُّلٍ روحيٍّ لِمَحامٍ ثَريٍّ ؟ بلْ حتى سورُ القرآنِ الكريمِ , كمْ منها عُنوانُها لا يَدلُّ على جُلِّ مضمونِها , فسورةُ الحديدِ لمْ تتحدَّثْ عن المَعدِنِ إلا في شَطْرِ آيةٍ يسيرٍ, يا للمَهزَلةِ, جريمةٌ كُبرى أنْ تَنطِقَ بالفَتْوى دونَ قِراءةٍ أو مُشاهدةٍ, ومهزلةٌ أَعْظَمُ أنْ يَتكوَّنَ رأيٌ عامٌّ شَرِسٌ ويُطلِقَ الرَّصاصَ على عُنوانِ فيلمٍ أو كتابٍ لمْ يَرَ النُّورَ بَعْدُ , فَيُوأَدَ في مَهْدِهِ , هذا فِعلُ المُجتمعاتِ التي آثرَتِ الظَّلامَ على النُّورِ.

يا إخواني , في دعوةٌ إلى التَّبصُّرِ والتَّعقُّلِ , إنَّ المثلَ الشَّعبيَّ الذي يقولُ :

المكتوبُ يُقرَأُ من عنوانِه ,

لمْ يُرِدْ به أصحابُهُ إلا التَّعبيرَ عن حَدْسٍ وتَخمينٍ , لا عنْ حَقيقةٍ وَصِلَتْ إلى اليَقينِ , ولكنَّه صارَ اليومَ شَكلًا من أَشكالِ المعرفةِ السَّائدةِ , التي تَكتفي بظواهِرِ الأُمورِ , وتَسْتَخرِجُ الدَّلالاتِ التي تَهواها النُّفوسُ , فكمْ من كتابٍ صارَ ضحيَّةً لعُنوانِه الجَذَّابِ , كنظامِ التَّفاهةِ لان دونو , الذي استَعارَ عُنوانَهُ الآلافُ دونَ أنْ يُكلِّفوا أنفسَهم القِراءةَ والاجتِهادَ , فلنتحلَّ يا أحبَّتي بِقليلٍ من الوعيِ والصَّبرِ , ولنبذُلِ قليلًا من الوقتِ والجُهدِ , ولنَحْكُم على الأفكارِ والأشخاصِ بِميزانِ التَّحليلِ والتَّأَمُّلِ , لا بِقَراراتِ التَّسَرُّعِ والانطباعاتِ الأوليَّةِ , ولنَستبدِلْ تلكَ المَقولةَ التي أَثبَتَتِ الأيامُ خَطَأَها :

الكتابُ واضحٌ من عنوانِه ,

بهذه الحِكمةِ النَّبيلةِ :
لا تَحْكُم على الكتابِ من عُنوانِه .

وإلى لقاءٍ قريبٍ , أستودِعُكُم اللهَ في رِحابِ المَقاماتِ .

تعليقات

أحدث أقدم