أوروبا ترفع الكلفة : العقوبات على حرس النظام الإيراني بوصفها بداية تحوّل استراتيجي

مشاهدات

عبدالرزاق الزرزور 

محامي وناشط حقوقي سوري


من الإدانات اللفظية إلى أدوات الضغط الفعلي

يمثل تحرك الاتحاد الأوروبي لفرض موجة أولى من العقوبات على قادة وكيانات تابعة لحرس النظام الإيراني انتقالاً نوعياً من سياسة الإدانة الخطابية إلى استخدام أدوات ضغط ملموسة. فبعد القمع المنهجي للاحتجاجات الشعبية داخل إيران، وما رافقه من سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، يبدو أن بروكسل بدأت تدرك أن التراخي السياسي لم يعد خياراً قابلاً للاستدامة، لا أخلاقياً ولا استراتيجياً .


القائمة السوداء: هندسة عقابية متعددة المسارات

بحسب المعطيات المتداولة، تشمل حزمة العقوبات المقترحة 31 فرداً وكياناً، موزعين على مسارين متكاملين. المسار الأول يتعلق بـ قمع الاحتجاجات الداخلية، عبر إدراج نحو 21 شخصية وكياناً، بينهم ضباط كبار في حرس النظام، على اللائحة السوداء، بما يترتب عليه منع السفر إلى أوروبا وتجميد الأصول المالية. أما المسار الثاني، فيتصل بالدور الإيراني في الحرب الأوكرانية، حيث تطال العقوبات 10 أفراد وكيانات متهمة بتقديم دعم عسكري مباشر لروسيا، يشمل طائرات مسيّرة وصواريخ. هذا التقسيم لا يعكس مجرد تصنيف إداري، بل يشير إلى إدراك أوروبي متزايد بأن سلوك النظام الإيراني مترابط داخلياً وخارجياً، وأن القمع في الداخل والتخريب في الخارج يصدران عن البنية نفسها : دولة أمنية-عسكرية تقودها مؤسسة الحرس.


الحرس الثوري: مركز الثقل في منظومة القمع والتصدير

توجيه العقوبات نحو حرس النظام الإيراني ليس تفصيلاً تقنياً، بل يحمل دلالة سياسية عميقة. فالحرس لم يعد مجرد ذراع عسكرية، بل تحول إلى فاعل مهيمن على الاقتصاد والسياسة والأمن، وركيزة أساسية في تصدير الأزمات إلى الإقليم وخارجه. من هذا المنظور، فإن استهداف قياداته يعني، ولو بشكل متدرج، ضرب مركز القرار الحقيقي داخل النظام، وليس الاكتفاء بمعاقبة واجهاته الدبلوماسية.


إجماع أوروبي هشّ ولكن دال

رغم أن التصويت النهائي على العقوبات لا يزال مشروطاً بتحقيق إجماع الدول الأعضاء الـ27، إلا أن مجرد وصول المقترح إلى طاولة وزراء الخارجية يعكس تحوّلاً في المزاج الأوروبي. المبادرة الإيطالية، التي قادها وزير الخارجية أنطونيو تاجاني، كشفت عن استعداد بعض العواصم لكسر الحذر التقليدي الذي طالما قيّد سياسة الاتحاد تجاه طهران، خاصة تحت ذريعة الحفاظ على قنوات التفاوض النووي.


خطاب تاجاني: عودة البعد القيمي إلى السياسة الخارجية

تصريح تاجاني بأن "دماء المدنيين تستوجب رداً واضحاً &quot ; يعيد إدخال البعد القيمي، ولو جزئياً، إلى معادلة السياسة الخارجية الأوروبية. فالدعوة إلى عقوبات فردية محددة ضد المسؤولين عن "الأعمال المروعة" تمثل محاولة للانتقال من منطق العقوبات الرمزية إلى منطق المساءلة الشخصية، وهو ما يقلق بطبيعة الحال قادة الأجهزة الأمنية والحرس، الذين اعتادوا الإفلات من العقاب الدولي.


حدود التأثير: عقوبات بلا استراتيجية شاملة؟

مع ذلك، يبقى السؤال المركزي: هل تمثل هذه العقوبات بداية مسار استراتيجي طويل أم مجرد رد فعل ظرفي؟ فالتجربة تشير إلى أن نظام الملالي يمتلك قدرة عالية على امتصاص الصدمات المحدودة، طالما لم تُربط العقوبات برؤية أشمل تشمل تصنيف الحرس كمنظمة إرهابية، وتشديد الرقابة المالية، وتقليص القنوات الدبلوماسية التي يستغلها النظام لكسب الوقت.


الخلاصة : اختبار المصداقية الأوروبية

في المحصلة، تشكل العقوبات الأوروبية المرتقبة اختباراً لمصداقية الاتحاد الأوروبي أكثر مما تشكل تهديداً وجودياً فورياً للنظام     الإيراني . لكنها، في الوقت ذاته، ترسل إشارة مهمة مفادها أن مرحلة التساهل تقترب من نهايتها، وأن كلفة القمع الداخلي والتورط في الحروب الخارجية لم تعد صفراً. ويبقى الرهان الحقيقي على ما إذا كانت بروكسل مستعدة لتحويل هذه الإشارة إلى سياسة مستدامة، أم أنها ستتراجع مجدداً أمام حسابات الخوف من التصعيد.


تعليقات

أحدث أقدم