أ.د ياسر طالب الخزاعلة
المؤرخ والناقد الأدبي والفلسفي
- السرّ المحظور: ما الذي يجعل أهل السُّنّة الخطر الأكبر على خرائط القوى الدولية؟
ثمة أسئلة تدور في ذهن الغالبية العظمى من أبناء الأمة :
- قراءة في خرائط الدم والخوف وموازين النهضة : لماذا يرتجف العالم من أهل السُّنّة؟
- بين مطرقة الاستهداف وسر القوة الكامنة : لماذا أهل السُّنّة بالذات هم الأمة المستهدفة من قبل القوى الكبرى في العالم ؟
- من" فلسطين إلى الصومال"حين تصبح الأكثرية هدفًا: لماذا يُستنزَف أهل السُّنّة في كل ساحات العالم؟
عندما نتأمل خريطة الجراح في جسد الأمة الإسلامية، وننظر إلى النقاط الأكثر نزفًا ووجعًا عبر العقود الأخيرة، نجد أن البوصلة تشير غالبًا إلى قومٍ وبيئاتٍ تحمل اسمًا واحدًا: أهل السُّنّة. فلسطين الجريحة، العراق الممزّق، سوريا المغروسة في أنياب الفوضى، الأردن المراقَب تحت المجهر، كشمير المكلومة، أفغانستان التي أنهكتها الحروب، الهند التي تستيقظ فيها موجات القومية المتطرّفة، البوسنة التي دفنت أبناءها في حفر الإبادة، كوسوفا التي تجرّعت مرّ الإلغاء والطمس، الصومال الذي أُريد له الضياع، السودان الذي تتنازعه النار من الداخل والخارج. كلها ساحات واحدة وإن اختلفت الجغرافيا، والضحايا فيها من طينة واحدة هم أهل السنّة والجماعة.
قد يتساءل المتسائل: لماذا؟ لماذا أهل السنّة بالذات؟ ولماذا أينما وجدوا نجد الاستهداف السياسي والعسكري والفكري والديني؟ إن الإجابة ليست بسيطة، بل هي مركّبة من طبقات التاريخ والسياسة والجغرافيا والعقيدة والاقتصاد والتوازنات الدولية. فالسُّنّة ليسوا جماعة صغيرة، ولا أقلية مهمّشة، بل هم الامتداد الأكبر للإسلام، هم التيار الذي حمل الراية بعد النبي صلى الله عليه وسلم جيلاً بعد جيل، وهم الأكثر عددًا وانتشارًا، والأكثر تاريخًا في تأسيس الدول الإسلامية الكبرى، من الأمويين إلى العباسيين إلى العثمانيين، وهم الإطار الذي شكّل الهوية الحضارية للعالم الإسلامي، وهم - فوق ذلك - كتلة بشرية تمتد فوق أهم موقع استراتيجي في العالم : قلب اليابسة القديم، مركز العالم، منطقة الربط بين ثلاث قارات، المنطقة التي قامت فيها أغلب حضارات التاريخ.
هذه الحقيقة بحد ذاتها كافية لتفسير نصف الجواب. فأهل السُّنة هم الذين حملوا مفاتيح القدس في عهد عمر بن الخطاب، وهم الذين تصدّى صلاح الدين من بينهم لابتلاع الصليبيين للشرق، وهم الذين أوقفوا المغول في عين جالوت عندما كاد التاريخ ينتهي، وهم الذين أقاموا دولة العثمانيين التي مكثت قروناً وهي تحكم الجغرافيا المقدسة وتحمي مكة والمدينة والقدس. ولذلك فإن القوى الكبرى التي تعيد ترتيب العالم اليوم تنظر إلى أهل السُّنّة بوصفهم "الكتلة الأكثر قدرة تاريخيًا على إعادة النهوض"، ولو تُرك لهم المجال فسيتشكّل منهم مشروع حضاري جديد يغيّر موازين القوى في العالم. ولذلك فإن المعركة عليهم ليست معركة سلاح فحسب، بل هي مشروع كبير يجمع بين الاستنزاف والتفتيت والتشويه وتغيير الهوية وتبديل الوعي. فاستهدافهم في فلسطين لم يكن استهدافًا إنسانيًا أو سياسيًا فقط، بل كان استهدافًا لرمزٍ يرتبط بذاكرة الأمة كلها، القدس ليست مدينة فقط، بل هي فكرة وبيعة وإيمان وعهد. ولذلك، كان لابد - في نظر القوى الغربية والاحتلال والمشاريع الإقليمية – من سحق إرادة أهل السنّة في فلسطين حتى لا يبقى لهم رمزٌ يعودون إليه أو أملٌ يستيقظ فيهم.
وفي العراق كان المشهد أوضح : بلدٌ سنّي المركز تاريخيًا، أول عاصمة إسلامية كبرى بعد المدينة، بغداد التي أضاءت العالم علمًا وفلسفة وطبًا وشعرًا. ولذلك، كان إسقاط العراق عام 2003 خطوة مقصودة ضمن مسار تعديل التوازن التاريخي. لم يُرَد للعراق أن يبقى سنّيًا قويًا موحدًا، بل أُريد له أن يتحول إلى ساحة صراع طائفي تتآكل فيها الأكثرية السنية بين مطرقة الاحتلال وسندان المليشيات. لم يكن النفط وحده هدفًا، ولا إسقاط صدام حسين وحده، بل كان الهدف الأعمق: إنهاء قلبٍ تاريخي سنيّ يمكن أن يستعيد وظيفة الريادة الحضارية.
وفي سوريا، يتجلى وجه آخر من الإجابة؛ بلدٌ كان يشكل مع العراق جزءًا من المركز الجغرافي والسياسي لأهل السنّة في المشرق. دمشق التي قالت عنها جيوش الرومان يوم سقطت "لقد سقط تاج الشرق". دمشق التي انطلقت منها رايات الفتح نحو القارات. ولذلك، لم يكن مسموحًا أن يبقى هذا الوطن مركزًا سنيًا متماسكًا، فجاءت الحرب لتعيد رسم حدود الديموغرافيا والذاكرة ولتجعل أهل السنّة وقودًا لحربٍ لم يختاروها. منهم من قُتل، ومنهم من هُجّر، ومنهم من غرق في البحار، ومنهم من تفرّق في الشتات ولا يعلم أطفاله من أي أرضٍ جاء آباؤهم . أما الأردن، فهو وإن لم يدخل في حروبٍ دامية كالتي عرفها العراق وسوريا، إلا أنه يقف كجسرٍ استراتيجي بين مشروعين: مشروع فلسطين المحتلة من الغرب، ومشاريع إقليمية تريد إعادة تشكيل المنطقة من الشرق. والأردن دولة يغلب عليها أهل السنّة عدداً وهويةً، ولذلك فهي في نظر القوى الكبرى ومراكز التخطيط "يجب أن تبقى تحت السيطرة الدائمة". ليس المطلوب إسقاط الأردن، بل المطلوب أن يبقى دائمًا في منطقة ضغط ومراقبة، بحيث لا يتمدد وعيه السني فلا يصنع مشروعًا سياسيًا أو دينيًا يغير المعادلة.
وفي كشمير، التي ظلت بؤرة نزاع منذ عقود، نجد أن المسلمين فيها - وهم أغلبهم من أهل السنّة - أصبحوا ضحية القومية الهندوسية التي تريد أن تطمس هويتهم . ومشهد الهند كذلك يطرح السؤال ذاته :
لماذا تُحرق مساجد أهل السنّة؟ لماذا يلاحَقون في هوية وطنهم
الجواب : لأن أهل السنة هم الفئة التي يُخاف منها إن بقيت متماسكة في وعيها وعددها وقيمها، فهم يحملون دينًا ينتشر ولا ينغلق، يُدخل الناس فيه أفواجًا لا أفرادًا، دينًا إن بُقي حيًا فإنه يغيّر خرائط الدول . وفي أفغانستان يتكرر الدرس من جديد. بلد فقير جغرافيًا لكنه غني بمعنى السيادة والإرادة . أهل السنّة هناك - رغم ضعفهم المادي - أثبتوا أن مقاومة القوى الكبرى ممكنة. ولذلك كانت الحرب عليهم حربًا طويلة تريد ليس فقط إسقاط حكم، بل تكسير فكرة المقاومة ذاتها، وترسيخ اليأس في الوعي السني عبر مثالٍ عملي يقول: كل من يقاوم القوى الكبرى سينتهي بهذا الشكل. ومع ذلك، فقد خرجت التجربة بعد عقدين بنتيجة معاكسة، لأن الوعي السني حين يجتمع بالعقيدة يعطي نموذجًا يصنع الذاكرة ولا يُلغى.
أما البوسنة وكوسوفا فهما شاهدان أخلاقيان على الوجه الحقيقي للعالم حين ينظر إلى المسلمين السنّة: في قلب أوروبا، ووسط الحضارة الغربية المتغنّية بحقوق الإنسان، ارتُكبت الإبادة الجماعية، وقُتل الأبرياء، ودُفنت المدن تحت الرماد، ولم تتحرك القوة التي كانت تقول إنها حامية للإنسان إلا بعد نهاية المجزرة. وعندما أُعلن استقلال كوسوفا، بقيت الدولة محاصرة سياسيًا واقتصاديًا، لأن الوعي العالمي لا يريد دولةً أوروبية مسلمة سنّية تنجح. إن كل نجاحٍ سني – ولو صغيرًا – هو في نظر القوى المؤثرة خطرٌ على مشروع "إدارة الإسلام" وليس تركه ينمو طبيعيًا.
وفي الصومال، فإن السيناريو مختلف الشكل لكنه يؤدي الغرض ذاته. ليست الحرب هنا حرب طائفية، وليست حرب مشروع عالمي ظاهر، لكنّها حرب فوضى تنهك أهل السنّة وتخرجهم من دائرة الفعل. فالصومال بلد يمكنه - لو استقر - أن يكون قوة بحرية وتجارية وسياسية، ولذلك فإن تحويله إلى ساحة حرب دائمة خلق جيلاً لا يملك وقتًا للعلم ولا الإنتاج، بل يملك فقط ذاكرة الرصاص. وعندما تفقد الشعوب القدرة على التفكير الطويل، فإنها تفقد القدرة على بناء مشروع سني عالمي يخاف منه الآخرون.
وفي السودان، فإن الصراع يبدو داخليًا، لكنه في جوهره إعادة تفتيتٍ لمحيطٍ سني يمتلك أكبر أرضٍ زراعية في إفريقيا وموقعًا يربط البحر الأحمر بالقارة الداخلية. إذا وُلد مشروع سني في السودان وامتد نحو مصر وليبيا والقرن الإفريقي، فإن التوازن الجيوسياسي سيتغير، ولذلك فإن السودان يجب - في نظر القوى العالمية - أن يبقى يشتعل. إن استهداف أهل السنة ليس سببه العقيدة فقط، بل لأن العقيدة عندهم تتحول إلى مشروع عندما تُترك وشأنها. إن الفرق بين أهل السنة وكثير من الطوائف الأخرى هو أن السنة قادرون على التجمع على قواسم مشتركة. يكفي أن تقول في أي مسجد في العالم "لا إله إلا الله محمد رسول الله" حتى تفهمك الأغلبية الساحقة من المسلمين. السنة ليسوا نخبوية ولا غنوصية ولا باطنية، هم الدين الذي يحمله الفلاح والتاجر والجندي والعالم. دينٌ بسيطٌ في مبناه، عميقٌ في معناه، قادرٌ على أن ينتشر دون رأسٍ موحد ولا نخبة تحتكر النص. وهذا – في ميزان السياسة الحديثة – أخطر ما فيهم، لأن أي حركة اجتماعية قادرة على الاستمرار بلا مركز هي تهديد عالمي.
وإذا أضفنا إلى ذلك أن أهل السنّة يشكلون اليوم قرابة 85% من المسلمين، فإنهم - من منظور القوى الكبرى - هم الأمة الحقيقية التي يجب منع عودتها. ولهذا فإن هناك من يريد أن يُهزم السنّي نفسيًا قبل أن يُهزم عسكريًا. يريدون له أن يكره تاريخه، أن يشك في قرآنٍ بناه، أن يرى حضارته مجرد صدفة، أن يشعر دائمًا أنه ضحية لا يملك دورًا، يريدونه بلا ذاكرة وبلا امتداد وبلا مشروع، يريدون أن يزرعوا فيه اليأس، لأن اليأس أخطر من الهزيمة. الهزيمة قد تولّد ثورة، أما اليأس فيولد موتًا بطيئًا. إن السؤال اليوم ليس لماذا يُستهدف أهل السنة، بل ماذا يمكن أن يفعله أهل السنة وهم يرون هذا الاستهداف؟ هل سينتظرون التاريخ ليكتب مرثيتهم؟ أم سيعيدون اكتشاف سرّ قوتهم كما فعل أسلافهم؟ إن سرّ أهل السنة كان دائمًا هو القدرة على العودة من تحت الركام، على جمع القوى من الفقر والضعف، على جعل المساجد مدارس، وجعل القرآن دستورًا وجعل الذاكرة سلاحًا. واليوم، ونحن في زمن الإعلام وقوة الصورة والوعي الجمعي، فإن أكبر معركة يخوضها أهل السنة ليست بالسلاح بل بالفكرة. من يملك الفكرة يملك المستقبل، ومن يملك الوعي يملك القدرة على الصعود ولو كان جائعًا.
إن فلسطين التي تُقصف كل يوم لم تستسلم، والعراق رغم الجراح يستيقظ يومًا بعد يوم، وسوريا رغم دموعها ما زال في أرحامها أطفال سيكتبون مستقبلًا جديدًا، والأردن رغم الضغوط يحافظ على هويته، وكشمير رغم الصمت العالمي ما زال فيها من يصلي الفجر، وأفغانستان رغم التاريخ الحزين قدمت درسًا في معنى الإرادة، والبوسنة وكوسوفا تعودان اليوم ببطء إلى الحياة، والصومال ينهض من تحت الرماد، والسودان مهما اختلفت الأطراف سيأتي يوم يجمعها الطين والماء والدم الواحد. إن الاستهداف لا يعني نهاية، بل يعني وجود خوف عالمي من نهضة أهل السنة، والخوف مؤشر قوة وليس مؤشر ضعف . وأهل السنة إن أدركوا ذلك سيعلمون أن اللحظة ليست لحظة انكسار، بل لحظة مراجعة. مراجعة للهوية، للوعي، للذات، للمشروع، لحقيقة أننا أمة لا تموت حتى لو نامت. إن لهذه الأمة موعدًا مع النهوض، وقد يكون الطريق طويلاً، لكنه يبدأ حين نعرف أن استهدافنا لم يكن صدفة، بل لأنه في داخلنا شيء يخاف منه العالم لو استيقظ.

إرسال تعليق