د. سامي خاطر
أكاديمي وأستاذ جامعي
مقدمة : من الاحتجاج إلى معادلة تهديد استراتيجي
ما يجري داخل إيران لم يعد حدثًا عابرًا في سجل الاحتجاجات الاجتماعية، بل تحوّل إلى تحدٍّ بنيوي يضرب أسس شرعية نظام الملالي. لليوم الثالث على التوالي، تتوسع رقعة الانتفاضة لتشمل جامعات مركزية ومدنًا جديدة، في مشهد يعكس انتقال الحراك من ردّ فعل غاضب إلى مسار تصاعدي منظم. في هذا السياق، جاءت دعوة السيدة مريم رجوي إلى "سلسلة انتفاضات" كإطار سياسي واضح يعيد تعريف الصراع: من احتجاجات متفرقة إلى مواجهة مفتوحة مع بنية الحكم.
هستيريا الأجهزة : ارتباك الحرس والمخابرات
تكشف التسريبات والوقائع الميدانية عن حالة هستيريا أمنية غير مسبوقة داخل أروقة الحرس الثوري وأجهزة المخابرات. هذا الارتباك لا يعود فقط إلى اتساع رقعة الاحتجاج، بل إلى فشل أدوات الردع التقليدية: القمع، والاعتقال، وبث الخوف. النظام الذي بنى بقاءه على الأمن الوقائي يجد نفسه اليوم أمام حراك لا يمكن تطويقه جغرافيًا ولا احتواؤه إعلاميًا، ما يدفعه إلى ردود فعل عشوائية تزيد من تعرية ضعفه بدل تعزيز هيبته.
الجامعات تدخل المعادلة : كسر احتكار الشارع
انضمام الجامعات الإيرانية إلى الانتفاضة يمثل نقطة تحوّل نوعية. تاريخيًا، شكّلت الجامعات مختبرًا للوعي السياسي، لكن الجديد اليوم هو تلاقي الطالب الجامعي مع الشارع الشعبي في خطاب واحد وشعارات واحدة. هذا التلاقي يضرب إحدى ركائز النظام: تفكيك الحركات الاحتجاجية وعزلها اجتماعيًا. دخول مدن إضافية على خط المواجهة يعكس قدرة الحراك على التمدد الأفقي دون مركز قيادة تقليدي، وهو كابوس أمني بامتياز.
دعوة رجوي : من التعبئة إلى الاستراتيجية
لم تكن دعوة السيدة مريم رجوي مجرد خطاب تعبوي، بل إعلان انتقال إلى مرحلة سياسية أعلى. مفهوم "سلسلة الانتفاضات" يحمل دلالة استراتيجية: استنزاف النظام عبر موجات متلاحقة، بدل التعويل على انفجار واحد يسهل قمعه. هذا الطرح يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الدولة الأمنية الإيرانية، ويضع النظام أمام معادلة الاستنزاف الطويل التي لا يجيد التعامل معها.
نظام بلا رواية : الانهيار المعنوي والإعلامي
يفشل نظام الملالي اليوم في تقديم رواية مقنعة لما يحدث. خطاب "المؤامرة الخارجية" بات مستهلكًا، وغير قادر على تفسير مشاركة الطلاب، والنساء، والطبقة الوسطى. هذا الفراغ السردي يفاقم الانهيار المعنوي داخل مؤسسات الدولة نفسها، ويغذّي الانشقاق الصامت بين القاعدة التنفيذية والقيادة العقائدية.
دلالات استراتيجية : ما بعد السيطرة
المؤشر الأخطر للنظام ليس حجم الاحتجاج، بل استمراريته وتناسله. استمرار الانتفاضة لعدة أيام مع توسعها الجغرافي يعني أن النظام دخل مرحلة إدارة أزمة دائمة، لا مرحلة احتواء. هنا، تتحول كل مدينة جديدة إلى جبهة داخلية، وكل جامعة إلى مركز تعبئة، ما يُضعف قدرة الدولة على التركيز ويُسرّع من تآكل السلطة.
ميثاق التغيير الجذري : ثوابت العبور نحو الجمهورية الديمقراطية
1. الالتفاف حول البديل التاريخي: الانخراط الفاعل خلف قيادة السيدة مريم رجوي والمقاومة المنظمة، وتبني "خطة المواد العشر" كخارطة طريق وحيدة لبناء دولة ديمقراطية، تعددية، وعلمانية، تعيد السلطة للشعب وتضمن حرياته الأساسية.
2. مأسسة الفعل الميداني : التركيز على تقوية وتمدد شبكات "وحدات المقاومة" في كافة أرجاء البلاد، لكونها القوة المحركة للانتفاضة والمسؤولة عن تنظيم الزخم الشعبي والتصدي المباشر لآلة القمع حتى تقويض أركان النظام.
3. القطيعة التامة مع الاستبداد: التمسك بمبدأ الإسقاط الكامل للمنظومة الحاكمة دون أي مساومة، ورفض كافة أوهام التعديل أو الإصلاح الجزئي؛ فنظام الملالي بطبيعته كيان غير قابل للتحول ولا بديل عن رحيله التام.
4. محاصرة النظام دولياً: تصعيد العمل لفضح جرائم الملالي ومجابهة سياسات الاسترضاء العالمية، مع مطالبة المجتمع الدولي بالاعتراف بحق الشعب الإيراني في نضاله للتحرر، ووقف كافة أشكال الدعم أو المهادنة مع الحكام الحاليين.
5. تجسيد التضامن والمقاومة المدنية: تحويل الغضب الشعبي إلى تلاحم وطني صلب يكسر جدار الترهيب، والاصطفاف حول المقاومة المنظمة كبديل شرعي وقوي يمتلك القدرة على قيادة الثورة نحو بر الأمان والحرية.
6. شرعنة الدفاع عن النفس: الإصرار على نيل اعتراف عالمي بحق شباب الانتفاضة وطلائع المقاومة في الدفاع المشروع لمواجهة وحشية الحرس الثوري وميليشيات الباسيج، باعتبار ذلك حقاً طبيعياً وقانونياً للشعوب في مواجهة الطغيان المسلح.
الخاتمة : نظام يترنح تحت أقدام الشارع
ما تشهده إيران اليوم ليس مجرد احتجاج، بل إعادة تشكيل للوعي السياسي في مواجهة نظام فقد القدرة على الإقناع والسيطرة معًا. ومع كل يوم إضافي من الانتفاضة، تتسع الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتقترب لحظة الحقيقة: إما تحول تاريخي، أو انهيار تدريجي لنظام استنفد أدواته وبات يحكم بالخوف وحده.

إرسال تعليق