مشاهدات
صباح الزهيري
تتحدث إليف شافاك عن سبب حاجتنا المستمرة للروايات , فتقول : نحن نعيش في عصرٍ تكثر فيه المعلومات , لكنّ المعرفة شحيحة , والحكمة أقلّ , هذا الفائض من المعلومات يُصيبنا بالغرور , ثمّ يُفقدنا الإحساس , علينا تغيير هذه المعادلة , والتركيز أكثر على المعرفة والحكمة .
للمعرفة , نحتاج إلى الكتب , والصحافة المتأنية , والتحليلات المعمّقة , والفعاليات الثقافية .
وللحكمة , نحتاج من بين أمور أخرى , إلى فنّ سرد القصص , نحتاج إلى الأسلوب المطوّل , وأنا لا أدعي ان الروائيين حكماء , بل على العكس تماماً , نحن فوضويون , لكنّ الرواية الطويلة تحوي بصيرة وتعاطفاً وذكاءً عاطفياً ورحمة ,
وهذا ما قصده ميلان كونديرا حين قال :
حكمة الرواية تختلف تماما عن حكمة الفلسفة .
اليف شافاك , تم اختيارها رئيسة للجمعية الملكية للأدب في بريطانيا , روايتها الاخيرة : هناك أنهار في السماء , تتناول موضوعا يشغل معظم سكان الكرة الارضية وهو المياه , لكنها ستركز على منطقة واحدة تعاني من الجفاف وهي بلاد الرافدين التي تصفها بانها بلاد شكلتها الأنهار , وفي الوقت نفسه تشكو فيها الأنهار, فدجلة والفرات في أدنى مستوياتهما في التاريخ , بعد أن كانا ذات يوم مهد الحضارة , في الوقت الذي تجف فيه أنهار الرافدين , لا تنفك تظهر من تحت شواطئها المتراجعة مستوطنات عمرها الف عام , من الصفحة الأولى إلى الأخيرة , تتلون هذه الرواية برمز الماء , تبدأ بقطرة مطر وتنتهي بقطرة من دجلة تصعد ببطأ لتتحول في عيني طفل الى انهار عظيمة في السماء لا تكف عن التدفق .
قصيدةٌ مفقودةٌ , ونهرَان عظيمان , وثلاث حيَوَاتٍ استثنائيَّة , تربط بينها كلَّها قطرةُ ماءٍ واحدة , فهناك في أطلال نينوى , كِسَرٌ من قصيدةٍ منسيَّةٍ منذ زمنٍ سحيق , مدفونةٌ تحت الرمال , يُولد طفلٌ وحيدُ عصرِه في لندن في القرن التاسع عشر , على حافَّةِ النهرِ الأسود القاتم , ولا فرصة لديه كي يهرب من الفقر سوى ذاكرته المذهلة , وحين يعمل آرثر في دار نشرٍ ومطبعة , ينفتح عالمُه بعيدًا عن العشوائيَّات , ويجد نفسه في رحلةٍ في ما وراء البحار بسبب كتابٍ واحد :
نينوى وآثارها , وفي تركيا , صبيَّةٌ إيزيديَّةٌ تعيش بجوار دجلة , تنتظر تعميدها بماءٍ من الوادي المقدّس في العراق , أمَّا زليخة , عالمة الهيدرولوجيا , فتنتقل إلى العيش في بيتٍ عائمٍ في نهر التّايمز , هربًا من حطام زيجتها , تأتينا الرواية ثريَّةً شاملةً في إنجازٍ سرديٍّ مبهر , عبر قرونٍ وقارَّاتٍ وثقافات , تتشابك فيها الأنهار والأمطار وقطرات الماء , الماء لا ينسى , لكنَّ النسيان شيمةُ البشر .
تبدأ الرواية بطرح سحري جذاب , إذ تتبع مسيرة حياة قطرة المطر, منذ تشكلها ثمَّ تجسدها وصولاً إلى تحولها لصور أخرى عبر القارات والقرون , وتنتقل الرواية بين ثلاثة ازمنة , تبدأ من قطرة ماء تنزل من السماء , لتستقر على شعر الملك اشور بانيبال الذي انشأ اضخم مكتبة في العالم , والذي انبثقت من بلاده ملحمة كلكامش أول ملحمة عن الطوفان , لتنتقل بنا الى لندن عام 1840 , فنجد انفسنا امام نهر التايمز الملوث بمياه الصرف الصحي , هناك يولد آرثر من أبٍ مدمنٍ على الكحول ووالدةٍ مريضةٍ نفسيا , كانت ذاكرته القوية هي فرصته الوحيدة للنجاة من الفقر الذي يطارد عائلته عندما أهلته موهبته للحصول على فرصة تدريب في دار نشرٍ , حيث تنفتح أمامه آفاقٌ واسعةٌ , هناك يلفت انتباهه كتاب بعنوان نينوى وآثارها للرحالة البريطاني أوستن لايارد , وعمليات التنقيب عن الآثار في منطقة النمرود , ان اسم نينوى يبدو لآرثر اشبه بالحلم , من هناك اتت الثيران المجنحة , رآها عند المتحف البريطاني , ومنذ ذلك الحين أسرته .
بعدها تنتقل بنا اليف شافاك الى تركيا عام 2014 حيث الفتاة الإيزيدية نيرين التي تبلغ من العمر عشر سنوات , مصابة بمرض نادر سيؤدي بها قريباً إلى فقدان السمع , وقبل حدوث ذلك , عزمت جدتها على تعميدها في معبد عراقي مقدس , ولكن مع تصاعد نفوذ داعش وتدمير أراضي أجداد العائلة على ضفاف نهر دجلة , بات الوصول الى المعبد مستحيلاً , لنلتقي بعد ذلك عام 2018 بزليخة او الدكتورة زي كلارك كما يسميها زملائها في لندن , وهي عالمة في المياه , تعاني من مشاكل زوجية أدت بها الى الطلاق , فهي الآن تسكن وحيدة في منزل عائم على نهر التايمز , زليخة الفتاة اليتيمة التي رباها احد اقاربها الاثرياء , عانت الكثير من المصاعب حتى انها كانت قد اتخذت قرارا بإنهاء حياتها إلى أن كتاب غريب عنوانه نينوى ووآثارها غير كل شيء في حياتها . تمزج الرواية بين قصص مختلفة تتبع ازمنة مختلفة , تربطها جميعا قطرة ماء تحمل سر الخلود , فالماء له ذاكرة , والأنهار بارعة في التذكر, النهران الأبرز في الرواية هما دجلة والتايمز , يتغذى كلاهما من روافد متعددة , وينطبق الأمر نفسه على هذه الرواية , التي تمزج بين قصص مختلفة تنبع من أزمنة وأماكن متباينة , هكذا , تاخذنا اليف شافاك في رحلة مع قطرة ماء وهي تمر بجميع العمليات الفيزيائية من تبخير وتكثيف وتجميد عبر القارات والقرون , لتجعلنا نقف وجهاً لوجه أمام ما فعله الإنسان بالمياة التي هي مصدر الحياة. هناك نبض عاطفي يجري عبر كلام الشخصيات إذ يعلن أحد المحسنين الطيبين لآرثر :
إنّ الكلمات مثل الطيور, فعندما تنشر الكتب فإنك تطلق سراح تلك الطيور المسجونة ولا تعرف أبداً من ستصل إليه هذه الكلمات , ومن ستستسلم قلوبهم لأغنيتها العذبة , وبينما تشرع نارين وجدتها في رحلة حج محفوفة بالمخاطر تقول :
بعض الناس مضطربون كالأنهار , وربما ستكون النساء أيضا مثل تلك الأنهار , قادرات على إعادة التكيّف والتشكّل , مثلما يترك سمك الشبوط خلفه إكليلا من خطوط الماء , عندما يقفز إلى مكان آخر .
وفي الجزء الاخير من الرواية التي وضعت له عنوان ملاحظة الى القارئ تبدو كصلواتٍ منبثقة من رحم الطبيعة , تكتب أليف شافاك :
اغمض عيني وأرى طاليس المالطي جالساً على ضفاف نهر المياندر المتعرج , أتخيله هناك , يراقب الماء بإحساس من الدهشة والاحترام , دهشة التلميذ ووقار العارف الذي يلاحظ حركته وتجدده القلقين , ثم أتخيل قُطيرة صغيرة تبلل يد الفيلسوف , تلك القُطيرة نفسها التي ربما كانت في قهوتي هذا الصباح ، أو ربما في قهوتكم ، تربطنا جميعاً عبر حدود الزمان والجغرافية والهوية , لتنسج خيطاً خفياً يربط أرواحنا عبر فجوات الزمان ومتاهات الجغرافيا والهوية , إنها رحلة الماء التي لا تخبو , تذكرنا بأننا في هذا الوجود لسنا سوى روافد تلتقي في نهر الإنسانية الكبير .

إرسال تعليق