التدمير الممنهج للتعليم

مشاهدات


د. ضرغام الدباغ


لم يعد خافياً على أحد، أن تدمير التعليم المتقدم في العراق، كان أحد أهداف الاحتلال، وبتركيز صفوي على التعليم الراقي الذي كان أحد السمات العراقية منذ فجر الاستقلال عام 1921. وفي الوقت الذي نهضت فيه الدولة العراقية الحديثة، تولى التعليم شخصيات كفوءة، أتخذت مبادئ أساسية كقواعد عمل ثابته لا مجال فيها للتساهل، ومنذ الثلاثينات، كان خريج كلية الطب / بغداد، يقبل للدراسة والعمل في بريطانيا وأميركا، كطبيب مجاز، بل وتبوء بعض العلماء العراقيين مناصب أكاديمية عليا في ىالبلدان التي عاشوا فيها. والبعثات الدبلوماسية المعتمدة في بغداد، كانوا يتعالجون بثقة في المستشفيات العراقية . التعليم كان أحد الاهداف التي سعى المحتلون لتدميرها والغايات معروفة :

1. حرمان العراق من كفاءات علمية، تتولى إدارة المشاريع العلمية بكفاءة، والحرمان والاجتثاث بلغ كافة الفروع العلمية والانسانية لدرجة مدربي الرياضة البارزين، من أجل الحاق الضرر المدمر بالعراق الناهض . وشخصياً سمعت من أحد مسؤولي التحالف الدولي : " وما حاجة العراق إلى هذا العدد من الجامعات، لديهم نفط يبيعوه ويعيشون بإيراداته ".

2. في تواصل للغزو، كان إبقاء الضغط على التعليم هدفاً رئيسياً، والحيلولة على إعادة قيام الجيش الوطني المنقسم عرقيا وطائفياً، لذلك لم يمانعوا تأسيس ميليشيات طائفي (الحشد الشعبي) إلا حين شعروا بأن في ذلك تهديد لمصالحهم، وقد اصبح حيازة المواطن على مسكن أصبح من أمنيات ليلة القدر.

3. هنا يتضح ان المواطن العراقي بات بعد مرور أكثر من 100 عام على الاستقلال، لا ينعم بحقوقه الاساسية الخمسة : التعليم، الصحة، والغذاء، والعمل .

4. التعليم هو الفقرة الأولى والتي تتفرع منها فقرات أخرى، فليس الجهل سوى المادة الأولى من أن يكون المواطن جاهلاً بنفسه وبمجتمعه، كنتيجة لأنتشار الشهادات المزورة ومدارس (التعليم الابتدائي والثانوي) غير معترف بها وصولاً إلى التعليم العالي. ووجود (30-40) ألف شهادة مزورة في العراق. ومشكلة الشهادة المزورة، أو غير المستوفية للشروط العلمية، أو من مراكز علمية غير معترف بشرعيتها، وتتعاظم المشكلة حين يجري التعامل مع حملة تلك الشهادات، على أنها شرعية ويتبوؤن المراكز العلمية إن في التعليم أو في الإدارة، وهم يفتقرون للقدرة واللياقة العلمية، فمن المؤكد والحالة هذه تراجع الحتمي في مستوى أداء مؤسسات مطلوب منها تحقيق منجزات بناء على المعطيات العلمية.

وفي أجواء الفوضى وإنعدام الرقابة والمعايير، شاع تغلغل تلك النماذج لدرجة أنهم وجدوا متلبسين في تخصصات دقيقة، كمهندسين وأطباء ... والتخصص المفضل لهؤلاء المزورين هو التأريخ، ظناً منهم أنه تخصص سهل، في حين هو تخصص صعب وواسع وذو ابعاد علمية لها صلة وثيقة بعلوم أخرى، كالاجتماع والفلسفة والاقتصاد. والجامعات الاوربية المتقدمة لا تمنح هذه الشهادة (PHD/ Promision A "دكتوراه") بسهولة. ويخضع التعليم العالي في الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية، ولا سيما في مرحلة الماجستير والدكتوراه، لشروط صعبة، ولا تهاون حتى في الشروط البسيطة، فعلى سبيل المثال، قد يحرم من الشهادة من يستخدم مصادر البحث بطريقة غير شرعية (الاقتباس غير المشروع) وقد عاصرنا شخصياً سحب الشهادة من شخصيات سياسية واجتماعية رفيعة (وزيرة تعليم عالي) مما اضطرها للإعتذار والأستقالة من منصبها . وفي الولايات المتحدة تنتشر الجامعات غير المعترف بشهاداتها بدرجة وأرقام مثيرة للدهشة، ثم علمنا أن خريجو تلك الجامعات(الغير معترف بها) تمنح شهادات، ولكن حين يعرضها من حاز عليها لجهات العمل، لا تقبل بالطبع، وفي المؤسسات الصناعية العملاقة، يجري فحص دقيق للمتقدمين للعمل، ويمنح الدرجة الوظيفية بحسب نتائجه في الفحص النظري والعملي. وهذا يجري في معاهد علمية عالية المستوى في المؤسسات الصناعية العملاقة مثل(AEG) في ألمانيا، وجنرال موتورز في أميركا ومارسيل داسو وتومسون في فرنسا، رولزروبز في بريطانيا .. الخ


وفي الدول الغربية يسمح بالتعليم الاهلي (غير الحكومي) ولكن بشروط صعبة جداً، تقارب المستحيل، إنشاء مؤسسات تعليمية، وفي بعض الدول صعبة فعلا لدرجة الاستحالة، كأن يطلب من المؤسسة العلمية كادر (ملاكات) علمية بتخصصات وبدرجات علمية تبدأ من بروفيسور/ فنازلاً إلى مرتبة مدرس جامعي، مع رواتب ومستحقات، ويشترط أن تكون المرافق الاكاديمية سليمة كأن يخصص لكل طالب (.....) متر مربع، وساحات ومرافق صحية ومختبرات ومكتبة ... الخ من الشروط التي يصعب القيام بها إلا باستثمار وتوظيف قدرات مالية كبيرة جداً، ولكن لماذا تسمح الدولة بإنشاء جامعة غير معترف بها ..؟ الدولة في أوربا ولا سيما دول أوربا الغربية والولايات المتحدة تعتبر أن أي نشاط استثماري / أكاديمي مسموح به طبعاً، وهذه من صلب عقيدة المجتمع الرأسمالي، وفي بعض الدول الرأسمالية حتى يمنح الاستثمار أسم (جامعة / University) أما إذا كان عنوان المشروع (معهد / Institut ) فذلك سهل جداً، يل وربما ينال الدعم الحكومي، إذا كان الممشروع ينطوي على جدية، وبسهولة تقريباً الحصول على أستثمار بأسم (Academy / أكاديمية) . العراق اليوم في حالة بائسة لجهة البحث العلمي، والتراجع المخيف يبدأ من التعليم الابتدائي والمتوسطة والاعدادي(الثانوي)، ويتصاعد في التعليم الجامعي، ويبلغ ذروته في التعليم العالي (الدراسات العليا)، ولدرجة منحطة مؤسفة لبلد كان يتمتع بسمعة عالمية حتى في دول راقية مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وأميركا. والأسوأ، أن الشهادات العليا : بكالوريوس، ماجستير، دكتوراه، صارت تتخذ للوجاهة الأجتماعية والسياسية أيضاً، وهذا بؤس البؤس. أن تصبح الشهادة الكبيرة عنوان للوجاهة، يسعى لها الكثيرون، ولكنهم على الصعيد العلمي لا شيء البتة .. والغريب انهم (المزيفون) يتجنبون الدخول في مناقشات علمية الطابع، ولا يذكرون شيئاً عن تخصصهم، فهم قد وضعوا انفسهم في عقدة يصعب حلها. ومن أجل أستعادة العراق لقدراته العلمية، وهذا ممكن على الرغم من الصعوبات، ولكن بجهود كبيرة وتداعيات وآثار حيث بلغ أعداد الشهادات المزورة أرقاما عالية جداً، بما في ذلك الألقاب العلمية العالية ولا سيما الدكتوراة. وتطرح الحلول ضرورة المؤسسات العلمية لقيمتها، تعديل هذا الوضع الشاذ مهما كانت المصاعب.. الاخطار المحدقة الناتجة هي كارثية بكل معنى الكلمة .... ومن المؤسف ألا يدرك الناس مخاطر هذا الفعل ونتائجه ...

تعليقات

أحدث أقدم