صباح الزهيري
تنافس آلاف المرشحين على (329 مقعداً برلمانياً) , ومئات الأحزاب والكيانات , والتباري بآلاف الإعلانات , إن لم تكن بعشرات الآلاف , نُقشت بأحلام وآمال , هذا سيوفر السكن , وذاك سيوفر الماء للبساتين التي جُرفت وتحولت إلى عمارات سكنية , ومن أعلن فتح المدارس , وإعمار المتهالك منها , وكل محافظة ستكون فيحاء العراق , لم نسمع من تحدّث عن ضبط الفساد , وجعل السّلاح بيد الدَّولة فقط , ولم تخلُ الدعاية الانتخابيَّة , مِن تشويقات طائفيَّة , فالتباري جارٍ في كل ما يجذب النّاخبين , حتَّى على المناصب السيادية الأولى , لأي طائفة أو قوميَّة ستكون؟ وطرحت حتى أسماء الدَّول التي ستكون لها حصص في النفوذ، مِن قِبل هذا النائب أو ذاك، أو الأحزاب والكيانات، فبعض الدول لها جمهورها النّاخب , فالدِّعاية تهمُّها .
تحت عنوان مليوصة يا حسين الصافي , كتب د. رشيد الخيون :
هي (هوسة) لأحد الحاضرين بعد انفضاض حفل بمناسبة الإعلان عن الوحدة الثلاثية / 1963 : مصر والعراق وسوريا , التي ما أُعلنت إلا وتفرقت , وإثرها استبدل العلم العراقي لتشير نجومه الثلاث إلى الدولة الثلاثية , وقصتها حسب أحد رعاة الحفل في 17 نيسان 1963 , يوم إعلان الوحدة :
تم تحشيد الناس من داخل النجف وخارجها , وجاء المتصرف أو المحافظ حسين الصَّافي , ومعه جماهير غفيرة من الفلاحين من لواء الديوانية , ملأت ميدان الاحتفال , ومن دون إدراك خطأ فني بالغ , لا يتناسب وهذه الجموع الغفيرة , التي جاءت لتهوس وتهتف , ووجدت المكان قد صف بالكراسي , مما يُعيق حركتها , ومتطلبات هذه الحركة , في الوقوف والجلوس على الأرض , وكان الحضور الرسمي يتمثل بمسؤولين مدنيين وعسكريين كبار قادمين مِن العاصمة , وخلال الحفل حدث ماسٌ كهربائي , أعقبه هروب من ذلك المكان , مما جعل الكراسي وهي تصطدم ببعضها وبالناس , تحدث أصواتاً أقرب إلى صوت رمي بالسلاح , الأمر الذي زاد من هلع الناس , وفرارهم جميعاً , على الرغم من كل دعوات التهدئة , التي صدرت من المسؤولين , أمام الهرج والمرج , الذي دفع الناس إلى المنصة الخشبية , وهم يهتفون ويرقصون عليها , مما أدى إلى انهيارها , وقتل طفل مغدور لجأ للاختباء تحتها , وفرغ الميدان وبقينا نحن القلة , وحدنا أمام منظر مضحك , بعد ذلك الحماس , أما بعد ما حصل فقد تدافع الناس هلعاً وخوفاً , وانقلبت الموازين , وصارت الهوسة على لسان الجميع :
مليوصة يا حسين الصافي , وذهبت مَثَلاً
فمَن يرى التسابق على الفضائيات , وحشد الشَّوارع بلافتات الدعاية الانتخابيّة , ووجوه جديدة , مِن الأقارب الوارثين , في كيانات قديمة , شاركت في أول انتخابات , وهذه هي السَّادسة , وإعلانها حفظ المال العام , وإعادة بناء العراق , ومِن شدة استعطاف الجمهور بالهدايا والآمال , حضرتنا الكناية مليوصة يا حسين الصَّافيّ , يُكنى بها عن الكثرة والفوضى , عسى يا حُسين الصَّافيّ , الجميع صادقون , وليس كما قال ابن المعتز:
آتانا بها صفراء يَزعمُ أنَّها/لتبرً فصدقناه وهو كذوبُ .
في هذه الانتخابات شارك جيل جديد من مواليد 2004 إلى 2007، وهم شباب لم يعيشوا حقبة النظام الوطني ولم يعرفوا صدام حسين إلا من الكتب والروايات , هؤلاء ينتمون إلى زمن مختلف , لا يجذبهم الخطاب الأيديولوجي القديم , بل يبحثون عن رؤية اقتصادية وفرص حياة حقيقية , وأدرك قادة ألأحزاب السابقة أن لغة اليوم تغيّرت , وأن الأجيال القادمة من مواليد 2008 إلى 2011 تحتاج من يخاطب طموحها لا ماضيها , فالزمن لا ينتظر أحداً , ومن لا يتغير يذوب في مجراه .
أعترف المهندس ألأستشاري عقيل التميمي , وهو مدني علماني , قائلا :
نعلنها بصراحة وعلانية ,لقد فشلنا , نحن القوى المدنية , فشلا ذريعا في إقناع الناس بمشروعنا , لم نساوم , ولم نرشي أو نرتشى , لم نتحدث بلغة الطوائف ولم ندافع عنها , لم ننصب موائد انتخابية , ولم نوزع الهدايا والعطاءات , ولم نفتتح بيوتا للناخبين لشراء ذممهم , فشلنا لأننا لم نجيد فن التفاوض فيما بيننا ولأن نرجسيتنا كانت أعلى من إيثارنا , وحبنا للتشتت أقوى من تمسكنا ببعضنا , لا نجيد النفاق , لكننا بارعون في الانشطارات , أيقنت نحن متخلفون سياسيا , لا القديم منا تنازل عن بعض أفكاره ولا الجديد تقبّل القديم منا , مثقفنا تائه بين زوايا المقاهي , وتفعيلة القصيدة , وأديبنا يبحث عن منحة رئيس الوزراء , أما نوابنا المستقلين فوجوه للخيبة , شعبنا ما زال يعيش في غياهب الجُب , يقف على أبواب الفساد طمعا في سلة غذاء , لم نتغير كثيرا عن الزمن السابق , فالزبائنية ارتدت ثوب الطائفية بدل الزيتوني , والديمقراطية لم تنفعنا كما لم ترحمنا الديكتاتورية , والجهل ما زال يتربص بنا حتى صار وحشا مهيبا يلتهم كل وعيا وفكرا , أما برلماننا القادم , فسيرسخ الفساد والميليشيات والهويات الفرعية على حساب هوية الوطن ومصلحة المواطن , إنتظروا الأسوء .
يقول د. محمود الجاف : ها هي الوجوهُ القديمةُ تعود من شقوق الذاكرة , نفس الأصوات التي وعدت بالفجر فأنجبت ليلًا بلا نجوم , نفس الأصابع التي لطّخت الورقَ بالحبر, فكتبت شهادةَ موتٍ جديدةً للوطن , الشعبُ العظيمُ في مأساته , يرى اللصَّ يثرى فيحسده على ذكائه , ويرى الشريفَ يُسجن فيتّهمه بالغباء , صار الذلُّ فنًّا , والسكوتُ صلاةً , والخيانةُ مذهبًا رسميًا في الأخلاق , وقديما قال نيتشه :(( من يحيا طويلاً في القاع , يبدأ في عشق الظلام )) , وأنا أقول : من يحيا طويلاً في بلادي , يتعلّم كيف يضحك في جنازته , لكن حتى في القاع , ثمة شرارةٌ صغيرةٌ تتغذّى من الرماد , أولئك الذين ما زالوا يكتبون بأصابعهم المكسورة , الذين يصرخون في وجه الخراب , هؤلاء هم آخرُ رسلِ الوعي , آخرُ خيطٍ بين الله والإنسان , مباركٌ لكم أيّها الساجدونَ للجلّاد , فقد فاز مرشّحكم : الذلُّ المطلق .
علقت السيدة ولاء العاني : مأساة الوطن بدأت عندما صار حرام علينا حتى ان نحلم بنجوم تتلألأ في سماءه , التي امتلأت بغبار الخبث , ولقامات انحنت للعباءة قبل البسطال ,
جريمتان تفوز , جميع الفصائل المسلحه التي لها علاقه مع ايران والبرزاني والسنة ينتخبون اصحاب النفوذ والمال والسلاح , انتم لامن اصحاب النفوذ ولا أصحاب السلاح , دخولكم فشلة كبيرة , اما ان تقول تزوير وغير ذلك , قد يحصل , ولكن مايحصل معكم وانه تبرير للفشل لأن وجودكم لايشكل اي تاثير على الواقع السياسي لا اليوم ولا مستقبلا . وفي نهاية هذه الدورة , حيث تتكرر المأساة كطقسٍ موسميّ , ويُعلن البرلمان القادم عن ولادة جديدة لذات الأوجه والسياسات , لا يبقى لنا سوى إدراك الحقيقة القاسية : أنَّ هزيمة المدن , ليست هزيمة صندوق أو قائمة , بل هي هزيمة الوعي المُتراكم أمام غريزة العشيرة والمنفعة الآنية, إنَّ التخلف لم ينتصر بذكاء , بل بغياب ثمن حقيقي يُدفع من أجل التغيير , وعليه , فليست المقاطعة النهائية هي الحل , بل هو الجهد المضني لإيقاظ الضمير الذي تلاشى تحت وطأة الأنانية والزيف, فحتى في القاع الذي نخشاه , لا تزال شرارة صغيرة تتغذّى من الرماد , وهي الشرارة التي يجب أن تضيء طريق السابعة , إذا كنّا لا نريد أن نستمر في الضحك على جنازة الوطن, ولعلَّ الذاكرة المنهارة للناس , هي الحصن الأخير الذي يجب أن نبنيه قبل أن يكتمل مشروع (مليوصة يا حسين الصافي) على كلِّ ما تبقَّى من أحلام.

إرسال تعليق