مشاهدات
خديجة حمودة
وقَّع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يطلق إجراءات تهدف إلى تصنيف بعض فروع جماعة الإخوان كمنظمات إرهابية أجنبية، وجاء في نص القرار أن هذه الفروع تتورّط في أعمال عنف أو تُسهلها أو تدعم حملات لزعزعة الاستقرار، بما يضر بمواطني الولايات المتحدة ومصالحها، وقد أثار الأمر التنفيذي هذا ردود فعل وتساؤلات بشأن انعكاسه على أوضاع التنظيم الدولى للجماعة الإرهابية وفروعها في عدد من الدول العربية . وتُمثل خطوة «ترامب» تحولاً نوعياً في تناول واشنطن ملف الإخوان، إذ تنتقل من مرحلة الجدل القانوني والسياسي بشأن طبيعة الجماعة إلى خطوات تنفيذية تستهدف فروعاً بعينها ثبت ضلوعها في أنشطة عنيفة أو دعم الجماعات المسلحة. وما لا شك فيه أن وجود جماعة الإخوان في الولايات المتحدة يُشكل واحداً من أكثر الملفات تعقيداً فى المشهد السياسى والأمنى الأمريكى، خصوصاً فى ظل الجدل الذى يتجدّد كلما صدرت تصريحات من مسئولين بارزين، كان آخرهم الرئيس ترامب وحاكم ولاية تكساس، اللذين دعَوا إلى تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية.
ورغم أن الجماعة لم تؤسّس فرعاً رسمياً معلناً لها داخل أمريكا، فإن تأثيرها الفكرى والتنظيمى ظهر منذ الستينات مع قدوم تدفّقات من الطلاب العرب والمسلمين الذين حمل بعضهم أفكاراً مستمدة من أدبيات وفلسفة تنظيم الإخوان، وقد لعبوا أدواراً مهمة فى تأسيس اتحادات طلابية ومنظمات إسلامية كانت نواة لمؤسسات إسلامية كبرى . في السبعينات، تزايدت الهجرة العربية إلى أمريكا، تشكّلت شبكات اجتماعية وفكرية تبنّت بعض أفكار الجماعة، وإن لم تعلن ذلك بشكل تنظيمى مباشر، وتشير تقارير بحثية أمريكية إلى أن اتحاد الطلبة المسلمين كان من أبرز التجمّعات التى ظهر فيها هذا النفوذ، وشارك بعض المؤسسين ممن تأثروا بفكر الإخوان فى وضع مبادئه الأولى داخل الجامعات الأمريكية. وتطور هذا الاتحاد ليصبح منصة تنطلق منها قيادات العمل الإسلامى في الولايات المتحدة، ثم تحولت بعض أنشطته إلى مؤسسات أوسع، مثل الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية التى تُعد اليوم واحدة من أكبر الهيئات الإسلامية فى البلاد. كما ظهرت منظمات أخرى، مثل مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية، الذى يركز على الدفاع عن حقوق المسلمين، وقد ربطت بعض الأبحاث بينه وبين أفراد ذوى خلفيات فكرية إخوانية، بينما تنفى كل هذه المنظمات أى علاقة تنظيمية بالجماعة. ورغم الجدل حول هذه المؤسسات، فإن البيت الأبيض لم يصدر قراراً رسمياً يثبت وجود كيان إخوانى موحد بالولايات المتحدة، لكن أحداث 11 سبتمبر 2001 التى هزّت أمريكا وقتها، كانت نقطة تحول فاصلة فى النظرة إلى المنظمات الإسلامية، فخضعت بعض المؤسسات لتحقيقات بتهم تمويل الإرهاب، ورغم إحالة بعض أفراد الجماعات إلى القضاء، لم تقدم أدلة تسمح لإدارة أمريكا بتصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية.
بقى الملف حاضراً فى السياسة الأمريكية، إلى أن وصل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2017، ليعود الحديث بقوة عن تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية، ووعد ترامب خلال حملته الانتخابية بدراسة هذا التصنيف، واستمرت إدارته فى بحث الموضوع، إلا أن القرار لم يصدر. في هذا الوقت قالت تقارير إعلامية عن أجهزة أمنية إن السبب يرجع إلى أن التصنيف قد يُسبب توتراً فى علاقات «واشنطن» بدول تتعامل مع أحزاب بمرجعية إخوانية، إضافة إلى صعوبة إثبات وجود تنظيم عالمى موحّد يُمكن ملاحقته قانونياً بصورة مباشرة ، كما أن المؤسسات الأمريكية كانت حذرة من أن يؤدى أى تصنيف إلى استهداف غير مبرّر لعشرات المنظمات المدنية العاملة فى الولايات المتحدة، والتى لا توجد أدلة على تورطها فى أى نشاط غير قانونى. ومؤخراً حظي قرار حاكم تكساس جريج آبوت بتصنيف الإخوان و(كير) كيانات إرهابية، على تفاعل واسع على منصات التواصل الاجتماعى، وشكّل أحد أكثر المنشورات تداولاً وتعليقاً على صفحته الرسمية، فى مؤشر يعكس حجم التأييد الشعبى داخل الولاية للخطوة وما أثارته من نقاشات ممتدة. ورغم كل هذه المواقف، تظل الحقيقة الثابتة أن الولايات المتحدة صنّفت بالفعل بعض الجماعات المسلحة التى رأت أن لها ارتباطاً بأفراد من الإخوان، مثل «حسم» و«لواء الثورة»، لكنها لم تشمل الجماعة الأم. وفى ظل استمرار الاضطرابات فى الشرق الأوسط وتنامى النقاش داخل أمريكا حول الإسلام السياسى، يبدو أن الجدل بشأن الإخوان سيظل حاضراً لفترة طويلة، خاصة فى الأوساط الأمريكية وبين من يرى فى الجماعة تهديداً أمنياً وفكرياً، ومن يرى أن تصنيفها دون أدلة قاطعة قد يفتح الباب أمام استهداف المجتمع المسلم الأوسع فى الولايات المتحدة.

إرسال تعليق