د. سامي خاطر
أكاديمي وأستاذ جامعي
لم يعد خافيًا على أحرار هذا العالم أنّ نظام الملالي في طهران يستمدّ بقاءه من توتّر دائم وأنه أشبه بنظام تنفّس اصطناعي يعتمد على القمع المفرط والعنف المؤسّسي كأدوات لحكم بلد يرفض شعبه الخضوع منذ سنوات، ويعيش هذا النظام تحت هاجس الانفجار الشعبي لكنّ الأشهر الأخيرة كشفت تصعيدًا غير مسبوق في جرائم قتل السجناء داخل المعتقلات بما يتجاوز حتى معاييره المعروفة في الوحشية.. وهذه الموجة ليست حوادث متفرّقة بل سياسة متكاملة هدفها إرهاب المجتمع وتركيعه ومنع أي تراكم قد يؤدي إلى انتفاضة جديدة .
القتل داخل السجون: استراتيجية خوف أم اعتراف بالعجز؟
تعتمد أجهزة خامنئي من الحرس الثوري الذي لا علاقة له بالثورية إلى وزارة الاستخبارات منهجية ثابتة مثل : تصفية السجناء أو تعذيبهم حتى الموت ومن ثم إعلان الوفاة تحت عناوين مكررة مثل "السكتة القلبية" أو "تعاطي المخدرات " ;.. لكنّ التزايد الممنهج لهذه الجرائم يعكس شيئًا أكثر عمقًا :إنّه خوف النظام من لحظة الحقيقة.. الخوف من لحظةٍ تتحوّل فيها خلايا السجون إلى شرارة سياسية كما حدث مرارًا في التاريخ الإيراني المعاصر. في ظلّ انتشار الفقر، والبطالة، وتآكل مؤسسات الدولة، وازدياد كراهية الشعب للسلطة يدرك النظام أنّ السجون لم تعد مجرد أماكن احتجاز بل هي أيضاً بؤر غضب مكثّف، وأنّ أي حادثة داخلها قد تتحوّل إلى رمز يشعل الشارع ؛ لذلك يندفع النظام إلى إسكات الأصوات قبل خروجها غير مدرك أنّ القمع السافر يحوّل الضحايا إلى رموز ويحوّل الخوف إلى تصميم.
دلالة التصعيد: سياسة مقامرة بالنظام نفسه
إن مواصلة القتل ليست علامة قوة بل علامة تآكل حين يلجأ النظام لقتل السجناء وهو يعلم أن المجتمع الدولي يتربّص بكل خطوة.. وهذا يعني أنّه فقد القدرة على الاستيعاب والاحتواء.. إنّه يدير الأزمة بعقلية عصابة محاصرة لا دولة مسؤولة : إغلاق، وقمع، وتدمير كل ما يُحتمل أن يتحوّل صوتًا مناهضاً. المُلاحظ أنّ هذا التصعيد يتزامن مع تزايد الاحتجاجات الاقتصادية والاجتماعية، وتفاقم الانقسامات داخل أركان الحكم، وتراجع شعبية السلطة حتى بين قواعدها التقليدية.. كل ذلك جعل النظام يؤمن بأنّ أي تراخٍ ولو جزئي قد يفسح المجال أمام انتفاضة شاملة يصعب السيطرة عليها كما حدث في 2019 و2022.
التداعيات الداخلية : برميل بارود يقترب من الاشتعال
إنّ قتل السجناء لا يقتصر على انتهاك حقوق الإنسان بل يضرب هيكل النظام نفسه.. فكل حادثة تُشعل غضبًا في المدن والقرى، وتُولّد سخطًا اجتماعيًا تراكميًا، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي رغم الرقابة باتت أخبار السجون تنتشر بسرعة مكوّنة سردية وطنية مشتركة بين مختلف طبقات المجتمع.. وهذا يشكّل تهديدًا وجوديًا لنظام يكره الروابط الجامعة ويعتمد على تفتيت المجتمع لضمان بقائه.. إضافة إلى ذلك فإنّ عائلات الضحايا التي تُعامل بامتهان واستعلاء تتحوّل إلى أوعية ثورية تحمل الغضب وتبثّه في محيطها وتزيد من كراهية النظام في الشارع، وبهذه الممارسات يقطع النظام آخر ما تبقّى من خيوط التواصل بينه وبين الشعب.
التداعيات الخارجية عزلة تتعمّق.. وتلاشي شرعية النظام أمام لحظة الحساب
على الصعيد الدولي تزيد هذه الجرائم من عزلة النظام فهي تؤكّد صورته كسلطة دموية غير قابلة للإصلاح، ومع تزايد التقارير الحقوقية تتصاعد الضغوط الدبلوماسية والعقوبات الأمر الذي يضع طهران في مواجهة دائرة خنق خارجي تُضاف إلى أزماتها الاقتصادية والسياسية العميقة. وعلى الجانب الآخر فإنّ استمرار جلاوزة خامنئي في موجة قتل السجناء يكشف أزمة نظام فقد شرعيته، ولم يعد يملك سوى أدوات الرعب.. لكنّ التاريخ يعلّمنا أنّ الأنظمة التي تعتمد على القمع المجرّد لدوام الحكم إنّما تسابق الزمن نحو نهايتها.. وإذا كان القتل داخل السجون قد يؤجّل الانتفاضة إلا أنه لن يلغيها؛ بل سيُراكم غضبًا هائلًا سيجد طريقه إلى السطح عاجلًا أو آجلًا.. وبذلك يبدو أن ما يحيط بالنظام أقرب ما يكون إلى بركان غاضب يحاول كبته بالقوة دون أن يدرك أنّ قوة البركان ليست في لحظة الانفجار بل في الغليان الصامت الذي يسبقها وهو غليان بات اليوم يغمر إيران من أقصاها إلى أقصاها.

إرسال تعليق