جيفري كمب
في الثامن من أغسطس، وأثناء تعليقه على مقتل المدنيين في غزة نتيجة الغارات الجوية الإسرائيلية، حاول السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، تبريرَ هذه الهجمات بالإشارة إلى قصف الحلفاء الحارق لمدينة دريسدن في فبراير عام 1945. وهي فكرة جديرة بالنقاش. إن تاريخ القصف الجوي للمدنيين طويل ومثير للجدل. وخلال الحرب العالمية الأولى، هاجمت المناطيد الألمانية (الزبلين) المدن البريطانية. وكانت الخسائر البشرية قليلة مقارنة بالمجازر التي لحقت بالمدنيين نتيجة قصف المدفعية للمدن على خطوط الجبهة في شمال أوروبا . لكن رمزية غارات «الزبلين» منحت رؤيةً حول ما قد يحدث مستقبلاً مع تطوير أنظمة الإطلاق الجوي. وفي فترة ما بين الحربين، استُخدم القصفُ الجوي بشكل متزايد في الحروب الاستعمارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وكان أبرز حدث في أوروبا هو القصف الألماني لمدينة جيرنيكا عام 1937 خلال الحرب الأهلية الإسبانية.
ولم يُقتل سوى بضع مئات من المدنيين، لكن الهجوم وقع يوم السوق ، وخلّده «بابلو بيكاسو» في جداريته الشهيرة التي جسدت الدمار. أما الاستخدام الأوسع والأكثر دموية للغارات الجوية ضد المدنيين فكان في الهجمات اليابانية على المدن الصينية خلال الحرب الصينية اليابانية التي بدأت عام 1937، والتي أودت بحياة عشرات الآلاف في تشونجتشينج وساهمت في سقوط أعداد هائلة من الضحايا في نانجينج . وشهدت الحرب العالمية الثانية الاستخدام الواسع للقوة الجوية ضد المدنيين، حيث قُتل ما لا يقل عن مليون إلى مليون ونصف المليون شخص في مسارح الحرب المختلفة . وسرعان ما انضمّت حرب اليابان مع الصين إلى حرب ألمانيا ضد بولندا في الأول من سبتمبر 1939، والتي بدأ معها قصف وارشو. ومع امتداد الحرب إلى أوروبا الغربية، كان قصف روتردام و«البلتز» ضد بريطانيا عام 1940 من المؤشرات المبكرة على الآثار المدمرة للقوة الجوية. ومع تقدم الحرب، عزز الحلفاء قواتهم الجوية ونفذوا غارات ضخمة على المدن الألمانية شملت «عواصف نارية» في هامبورج، وكاسل، ودريسدن. كما تعرضت كولونيا، وإيسن، وبرلين، وهانوفر، وشتوتجارت، وماجدبورغ .. إلخ، لدمار واسع وسقوط آلاف الضحايا. وفي المحيط الهادئ، بلغت الحملة الجوية الأميركية ضد اليابان ذروتَها بالقصف الحارق لطوكيو في مارس 1945، والذي أسفر عن مقتل أكثر من 100 ألف مدني، تلاه القصف النووي لهيروشيما وناجازاكي في أغسطس 1945.
وفي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، قُتل مئات الآلاف من المدنيين جراء الغارات الجوية في جنوب شرق آسيا، كما شهدت المنطقةُ استخدامَ مادة كيميائية تُعرف باسم «العامل البرتقالي» مصممة لتدمير الغطاء النباتي والمحاصيل . وفي الحروب التي شهدها الشرق الأوسط وجنوب آسيا، كان عدد القتلى المدنيين من الغارات الجوية أقل، لكن الاستخدام المكثف والمستمر للغارات على غزة أثار تعليقات وانتقادات واسعة، شملت اتهاماتٍ لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب أو حتى ممارسة الإبادة الجماعية. ويرجع ذلك جزئياً إلى مشاهد الفيديو اليومية للدمار، وتزايد صور الفلسطينيين الجوعى والهزيلين الذين لا يجدون طعاماً ولا ماءً ولا مأوى يحميهم من ويلات القصف الجوي اليومي. ولطالما أثار قتلُ المدنيين بالقوة الجوية تساؤلاتٍ حول الغموض الأخلاقي للحروب.. ففي نهاية الحرب العالمية الثانية، جاءت انتقادات في بريطانيا لقصف دريسدن من مسؤولين كبار وقادة كنائس ومواطنين بريطانيين عاديين، لكن لم يَرَ أحد أن الأمر يرقى إلى جريمة حرب، في ظل موجة الغضب العارمة التي اندلعت مع تحرير الحلفاء لمعسكرات الموت النازية. وبالمثل، طغت على الجدل حول أخلاقية قصف هيروشيما وناجازاكي القناعة بأن القنابل الذرية أقنعت أخيراً إمبراطور اليابان بالاستسلام، منهيةً بذلك احتمالَ وقوع ملايين القتلى إذا اضطرت الولايات المتحدة لغزو اليابان. عند الحكم على قتل المدنيين في غزة، يجب أن نأخذ في الاعتبار دور «حماس» كطرف متواطئ في هذه الوفيات، والأكثر إثارةً للقلق هو الخوف من أن إسرائيل لا تملك أي استراتيجية واضحة لإنهاء الحرب.

إرسال تعليق