حين يصبح العقل ساحة المعركة

مشاهدات




محمود الجاف


كيف نحمي أنفسنا وأبناءنا والأجيال القادمة من التضليل والتلاعب الفكري؟


هناك حروب لا تبدأ بصوت الرصاص، ولا تحتاج إلى دبابة تعبر الحدود أو طائرة تحلق فوق المدينة أو جندي يقف على باب البيت. لأنها قد تبدأ بكلمة، ثم بصورة، ثم بخبر لا نعرف من كتبه، ثم بخوف صغير يُزرع في النفس ويتكرر حتى يكبر. وقد تكون الكذبة واضحة، ثم تصبح مألوفة من كثرة ما نسمعها، فتتحول إلى ثقة، والثقة إلى قناعة، والقناعة إلى موقف، والموقف إلى سلوك.


وهنا تكمن خطورة بعض المعارك الحديثة:


أن الإنسان قد يتأثر دون أن يشعر.

قد يدافع عن فكرة لم يفحصها، أو يكره شخصًا لم يلتقِ به، أو يكرر كلامًا لا يعرف مصدره، أو يتخذ قرارًا يظنه نابعًا من إرادته، بينما تكون المعلومات والصور والرسائل التي وصلته قد صيغت بطريقة تؤثر في مشاعره واختياراته. وأخطر ما يمكن أن يحدث للعقل ليس أن يُجبر على التفكير بطريقة معينة، بل أن يفقد القدرة على ملاحظة أنه يتعرض للتوجيه أصلًا. ولهذا فإن المعركة لا تكون دائمًا على الأرض؛ فقد تكون أحيانًا داخل الإنسان نفسه.


هل يمكن أن يُقاد الإنسان دون أن يشعر؟


نعم، وليس لأنه ضعيف، إنما لأن العقل البشري لا يستطيع فحص كل معلومة تصله بصورة كاملة. ولو حاول تحليل كل خبر وصورة وحديث وقرار من الصفر، لما استطاع أن يعيش حياته اليومية. لذلك يستخدم العقل ما يسمى الاختصارات الذهنية؛ وهي طرق سريعة تساعدنا على اتخاذ القرارات والتعامل مع كم هائل من المعلومات. وهي ضرورية في حياتنا، لكنها قد تتحول إلى نقاط ضعف عندما تُستغل عمدًا. لأننا قد نميل إلى تصديق صاحب السلطة، أو نثق بمعلومة سمعناها وتكررت كثيرا، وقد نصدق ما تقوله جماعتنا، أو نحكم بسرعة على شيء أثار خوفنا أو غضبنا. وقد نبحث عن المعلومات التي تؤيد ما نؤمن به ونتجاهل ما يخالفه. ومن هنا يبدأ التأثير. وليس من الضروري أن يقول لك أحد:


 "افعل هذا".


قد يكون التأثير أكثر هدوءًا؛ من خلال تقديم معلومات منتقاة وربطها بمشاعر معينة وتكرارها في أوقات مختلفة، حتى يصبح القرار الذي يراد لك الوصول إليه يبدو وكأنه قرارك أنت. وهنا يجب أن نتوقف ونسأل:


هل اخترت هذا الموقف بعد أن فحصت المعلومات، أم لأنني تعرضت لها بالطريقة نفسها مرات كثيرة؟


كيف تنتقل المعلومة إلى السلوك؟


يمكن أن يحدث ذلك عبر مسار بسيط:


معلومة - انتباه - عاطفة - تكرار - ألفة - قناعة - سلوك.


ليست هذه قاعدة حتمية، لكنها تساعد على فهم أحد مسارات التأثير. تصل المعلومة أولًا، فتلفت الانتباه، ثم قد تثير الخوف أو الغضب أو التعاطف أو الانتماء. وإذا تكررت، تصبح مألوفة، والمألوف قد يمنح الإنسان شعورًا بالثقة حتى عندما لا يملك دليلًا كافيًا عليه. ثم قد تتحول المعلومة إلى قناعة، والقناعة إلى سلوك. لذلك يجب أن تبدأ حمايته من اللحظة التي تدخل فيها المعلومة إلى عقله، وليس فقط عند لحظة اتخاذ القرار.


سبعة أبواب يدخل منها التأثير


1 . السلطة

يميل الإنسان إلى منح صاحب المكانة أو الخبرة قدرًا أكبر من الثقة.

قد نقول: "قال الطبيب"،

 أو "قال المسؤول"،

 أو "قال الخبير".

لكن مكانة المتحدث لا تجعل كل ما يقوله صحيحًا. لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال الوحيد:

 من قال؟

بل يجب أن نسأل أيضًا:

ما الدليل الذي يستند إليه؟

 

2 . التكرار

المعلومة التي نسمعها باستمرار تصبح مألوفة، والمألوف قد يبدو أكثر صدقًا مما هو عليه في الواقع. لكن التكرار لا يصنع الحقيقة؛ فالكذبة لا تتحول إلى حقيقة لأنها قيلت مئة مرة. وعندما نسمع ادعاءً يتكرر باستمرار، ينبغي أن نعود إلى مصدره الأول ونبحث عن الدليل بدل أن نعتبر التكرار دليلًا بذاته.


3 . الجماعة

عندما نرى آلاف الأشخاص يرددون فكرة واحدة، قد نفترض أن كثرة المؤيدين دليل على صحتها. لكن العدد لا يثبت الحقيقة؛ فقد تكون الحسابات مدفوعة الثمن، أو خلفها حملة منظمة، أو أن هناك آلية تضخيم تجعل فكرة واحدة تبدو أكبر من حجمها الحقيقي. لذلك لا يكفي أن نسأل:

كم شخصًا يقول هذا؟

بل يجب أن نسأل:

هل هؤلاء الأشخاص حياديون فعلًا؟

 

4 . الخوف

الخوف من أقوى المشاعر تأثيرًا في القرار. وعندما يشعر الإنسان بوجود خطر عاجل، قد يبحث عن الحماية ويتخذ قرارًا سريعًا قبل أن يفحص المعلومات بهدوء. لهذا تستحق الرسائل التي تقول:


"إذا لم تفعل هذا الآن فستحدث كارثة" تدقيقًا مضاعفًا.


ليس كل تحذير كاذبًا، لكن شدة الخوف ليست دليلًا على صحة الرواية التي أثارته.

 

5 . الغضب

الغضب قد يختصر المسافة بين المعلومة والفعل. قد يصل خبر، ثم صورة، ثم يظهر اسم شخص أو جماعة بوصفه عدوًا، ثم تأتي دعوة إلى المشاركة في الحل. وفي دقائق قليلة قد ينتقل الإنسان من المعرفة إلى الانفعال ثم إلى السلوك. لذلك عندما تشعر أن رسالة ما دفعتك إلى غضب شديد، خذ مسافة قبل أن تتصرف. توقف قليلًا، ثم تحقق من الخبر ومصدره وسياقه.

 

6 . الانتماء

نحن نميل بطبيعتنا إلى الثقة بمن نشعر أنهم قريبون منا، وقد يكون القرب قائمًا على القبيلة أو القومية أو الدين أو المذهب أو المنطقة أو الانتماء السياسي. وهنا يمكن أن نقع في خطأ خطير:


أن نصدق المعلومة لأن قائلها "من جماعتنا"، أو نرفضها لأن قائلها "من الجماعة الأخرى".


 الصواب أن نفصل بين هوية صاحب الكلام ودقة الكلام نفسه، فالسؤال الأول يجب أن يكون:


هل المعلومة صحيحة؟


فالذاكرة ليست كاميرا تسجل كل ما تراه بدقة. وقد يملأ الإنسان بعض الفراغات من توقعاته دون أن يشعر، فيتذكر ما حدث بطريقة تختلف عن الواقع. ولهذا فإن ثقتنا بتصوراتنا لا تعني دائمًا أن ما نتذكره حدث تمامًا كما هو.


7 . الانحياز التأكيدي

عندما نؤمن بفكرة، قد نبحث بصورة أكبر عن المعلومات التي تؤيدها ونتجاهل ما يعارضها. وتزيد البيئة الرقمية هذا الأمر صعوبة؛ لأن المحتوى الذي نشاهده أو نتفاعل معه قد يؤثر في المحتوى الذي تقترحه علينا المنصات لاحقًا. ومع الوقت قد يجد الإنسان نفسه داخل دائرة يسمع فيها آراء قريبة من رأيه باستمرار، فيتصور أن ما يراه يمثل المجتمع كله . لذلك من المفيد أن يبحث عمدًا عن أقوى حجة تخالف رأيه، لا عن المزيد من الأدلة التي تؤيده فقط.


عندما تصبح الصورة غير كافية


كان الإنسان يقول في الماضي:


"رأيت ذلك بعيني".


 أما اليوم، فالرؤية وحدها لا تكفي دائمًا.

قد يكون الفيديو حقيقيًا، لكنه قديم، أو من بلد آخر، وقد تكون الصورة صحيحة لكن تفسيرها خاطئ، وقد يكون مقتطعًا من فديو ينقل حدثا اكبر، أو قد يكون الصوت مضافًا إليه، أو العنوان أعطاه معنى مختلفًا. ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح إنتاج صور وأصوات ومقاطع فيديو شديدة الإقناع أسهل من السابق.

لذلك لا يكفي أن نسأل:


 هل الفيديو حقيقي؟


علينا أن نسأل:

متى صُوّر؟ وأين؟ ومن نشره أول مرة؟ وما سياقه؟

وهل توجد مصادر مستقلة تؤكد الرواية المرتبطة به؟

أحيانًا لا تكون المشكلة في الكذبة الكاملة، وإنما في نصف الحقيقة:

واقعة صحيحة، لكن جزء من سياقها محذوف، أو صورة حقيقية، لكن تفسيرها غير صحيح. وينطبق الأمر نفسه على الأرقام. قد يكون الرقم صحيحًا، لكن من دون معرفة الفترة الزمنية أو المقارنة التي تعطيه معناه، قد نفهمه بطريقة خاطئة.


إذا قيل مثلًا:

"حققت الشركة أرباحًا قدرها 10 ملايين دولار"، فالمعلومة لا تكفي وحدها.

هل تحققت هذه الأرباح خلال شهر أم سنة؟

وهل كانت أرباحها في الفترة السابقة 5 ملايين أم 20 مليونًا؟

فالرقم قد يكون صحيحًا، لكن معناه لا يكتمل إلا عندما نعرف متى حدث وما الذي نقارنه به. لهذا فإن التحقق لا يعني فقط أن نسأل:

هل المعلومة صحيحة؟

بل يعني أيضًا أن نسأل:

هل الرواية التي بُنيت عليها صحيحة؟

 

من التجارب القديمة إلى عالم اليوم

هذه المسألة ليست جديدة. فقد درست دول ومؤسسات وأجهزة مختلفة، منذ عقود، الحرب النفسية والتأثير في الرأي العام واستخدام المعلومات لتحقيق أهداف سياسية وأمنية. ومنها في العراق، قبل عام 2003، فقد كانت مديرية مكافحة التجسس جزءًا مهمًا من جهاز المخابرات، وكانت من ضمن وظيفتها القانونية، وفق الفقرة الثانية،


 "مكافحة التخريب الفكري والسياسي والاقتصادي والعسكري والاستخباري والاجتماعي والإعلامي والثقافي والنفسي والتربوي والإداري والصحي".


وهذه العبارة تكشف أن مفهوم التخريب لايجب ان يكون محصورًا في التجسس العسكري، وإنما يمتد إلى مجالات اخرى قد تكون اشد خطرا منها ألفكرية والاجتماعية وإلاعلامية والنفسية وغيرها. لهذا يجب الاستفادة من هذه التجربة فالزمن تغير، والأدوات تغيرت، ولهذا لابد أن يكون هدف الدولة حماية المجتمع من التضليل والتحريض والتلاعب، وليس التحكم في أفكار الناس.


ماذا حدث للعراق بعد 2003؟

ليس من الدقة اختزال ما جرى للعراق بعد 2003 في سبب واحد. فما حدث كان نتيجة عوامل متعددة، منها الحرب والتدخل العسكري، وتفكك بعض مؤسسات الدولة وضعف أخرى، والعنف المسلح والإرهاب، والصراعات السياسية والطائفية، والتدخلات الإقليمية والدولية، والفساد، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ثم جاءت لاحقًا صدمة تنظيم داعش وما رافقها من نزوح واسع وانتشار الميليشيات. كل ذلك أثر في قدرة الدولة والمجتمع على مواجهة الأزمات. لذلك لا ينبغي البحث عن تفسير واحد يختزل كل هذه التحولات؛ فالتاريخ العراقي الحديث أكثر تعقيدًا من أن يفسر بجملة واحدة. لكن إحدى القضايا التي لا يمكن تجاهلها هي أن المجتمعات تصبح أكثر هشاشة عندما تضعف مؤسساتها، وتتراجع الثقة، وتتسع الانقسامات، ويصبح الخوف وقودًا للخطاب العام.

 

من يحمي المجتمع؟

من الطبيعي أن تكون للدولة مؤسسات تحمي الأمن الوطني وتواجه التجسس والإرهاب والجريمة المنظمة والتهديدات الخارجية. لكن أمن الدولة في العصر الحديث لا يتعلق بالحدود والسلاح وحدهما. فالمجتمع الذي يمكن دفعه إلى الكراهية بمقطع فيديو، أو إشعال الخوف فيه بخبر كاذب، أو تحريضه على العنف من خلال حملة منظمة، يحتاج أيضًا إلى حماية بيئته المعلوماتية. لكن السؤال الأصعب هو:


كيف نحمي المجتمع من حملات التلاعب دون أن يتحول ذلك إلى مراقبة للتفكير؟


لا يمكن تحقيق ذلك من خلال مراقبة ضمائر الناس، أو معرفة ما يقرأه كل مواطن، أو اعتبار كل معارض خطرًا، أو تحويل الاختلاف إلى جريمة. يجب أن يكون هناك فرق واضح بين الرأي الذي تختلف معه الدولة أو المجتمع، وبين حملة منظمة تهدف إلى التضليل أو التحريض على العنف أو الكراهية. فليس كل نقد مؤامرة، ولا كل معارضة تخريبًا، ولا كل اختلاف تهديدًا، ولا كل رأي لا يعجب السلطة خطرًا على الأمن الوطني. والدولة القوية ليست التي تخاف من المواطن الواعي، بل التي تستطيع أن تعيش مع مواطن يسأل ويناقش ويعترض ويغير رأيه عندما يجد دليلًا.


ماذا يحتاج العراق؟


العراق يحتاج إلى الانتقال من فكرة "مكافحة الأفكار" إلى بناء المناعة الفكرية والمعلوماتية.


والمناعة تعني تمكين المواطن من التمييز بين المعلومة والادعاء، وبين الرأي والحقيقة، وبين الخطأ المتداول والتضليل المتعمد. ويمكن أن تتعاون الدولة والجامعات والمدارس والإعلام والخبراء ومنظمات المجتمع المدني في بناء منظومة وطنية لهذا الغرض، على أن تكون مهمتها المعرفة والتوعية والتحليل والاستجابة، ويتحقق ذلك من خلال .


-الرصد والتحليل:

متابعة الحملات المنظمة التي تستهدف المجتمع، ودراسة مصادرها وأساليب انتشارها، مع احترام الخصوصية وحرية التعبير.


-الإنذار المبكر:

عندما تظهر حملة تضليل قد تؤدي إلى التحريض أو العنف، يجب أن تصل المعلومات الموثوقة إلى الناس بسرعة وبطريقة واضحة.


-تعليم التفكير النقدي:

يجب أن يتعلّم الطفل، منذ سنواته الدراسية الأولى، كيف يتحقّق من الأخبار، ويميّز بين الرأي والحقيقة، ويقيّم المصادر، ويفحص الصور ومقاطع الفيديو، ولا يقبل ادعاءً دون أن يسأل عن دليله وسياقه


-مؤسسات مستقلة للتحقق:

يحتاج المجتمع إلى جهات مهنية مستقلة للتحقق من المعلومات، تعمل وفق منهج معلن، وتصحح الأخطاء بغض النظر عن مصدرها.


-إعلام مسؤول:

الإعلام الذي ينشر معلومة غير متحقق منها قد يصبح، حتى دون قصد، جزءًا من انتشار التضليل.


-المواطن شريك:

 يجب أن يستطيع المواطن إرسال المحتوى المشكوك فيه إلى جهات مهنية للتحقق منه، ثم الحصول على إجابة واضحة ومفهومة.

 

ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل؟


يمكن لكل واحد منا أن يبدأ من اليوم.


 إذا جاءك خبر خطير، لا تنشره فورًا. وإذا أثار غضبك مقطع ، لا تتصرف تحت تأثير الانفعال. وإذا قيل لك "الجميع يعرف"، فاسأل:


من هم الجميع؟


وإذا قيل لك إن المصدر موثوق، فابحث عن المصدر.

وإذا رأيت صورة، اسأل متى وأين التُقطت. وإذا قرأت رقمًا أو إحصائية، ابحث عن الفترة الزمنية والمقارنة التي توضح معناها. وإذا سمعت رواية واحدة، ابحث عن الروايات الأخرى. وإذا وجدت معلومات تؤيد رأيك تمامًا، ابحث عن أقوى حجة تخالفه.

ولا تخجل من أن تقول:


"لا أعرف"، ولا تعتبر تغيير رأيك عندما يظهر دليل جديد هزيمة.


فالإنسان الذي يعترف بخطئه أقوى من الذي يعرف أنه أخطأ ثم يواصل الدفاع عنه. لأن حماية العقل لا تبدأ من الدولة وحدها، ولا من المدرسة أو الإعلام وحدهما؛ بل تبدأ أيضًا من قدرة الإنسان على التوقف قبل أن يصدق، والتحقق قبل أن ينشر، والتفكير قبل أن يغضب.


علموا أبناءكم كيف يفكرون

ربما تكون هذه أهم مسؤولية تقع على عاتقنا.

لا يكفي أن نقول للطفل:

"لا تصدق الغرباء".


الأهم أن نعلمه كيف يفحص ما يسمعه من الجميع، حتى ممن يحبهم ويثق بهم.


علموه أن يسأل:


 من قال؟ ما الدليل؟ متى قيل؟ أين المصدر؟ هل المصدر مستقل؟ ما الذي لم يُذكر؟ ماذا يريد صاحب الرسالة مني؟ وهل توجد تفسيرات أخرى؟


علموه أن تغيير الرأي عندما يكتشف الإنسان خطأه ليس هزيمة، بل شجاعة.


ولا تربوهم على الخوف من كل معلومة جديدة. ناقشوهم، واسمحوا لهم بالسؤال والاعتراض، وصححوا أخطاءكم أمامهم. وإذا اكتشفتم أنكم صدقتم خبرًا كاذبًا، قولوا لهم:


"كنت مخطئًا . تحققت، واكتشفت أن المعلومة غير صحيحة".


بهذه الجملة يتعلم الطفل أن الحقيقة أهم من كبريائنا. ولا تجعلوا الهاتف معلمهم الوحيد. فالمنصات الرقمية لا تقدم محتوى محايد، وقد تؤثر خوارزمياتها في نوع المواد التي يراها المستخدم باستمرار. وقد تصبح الشهرة معيارًا للحقيقة، وعدد المتابعين دليلًا على المعرفة، وارتفاع الصوت دليلًا على قوة الحجة. وان الأكثر مشاهدة ليس بالضرورة الأكثر صحة، والأكثر متابعة ليس بالضرورة الأكثر معرفة، والأكثر غضبًا ليس بالضرورة الأكثر صدقًا. علّموهم أن الشهرة لا تثبت صحة المعلومة، وأن كثرة المؤيدين لا تجعل الرأي صحيحًا، وأن الصورة وحدها قد لا تكون دليلًا كافيًا، وأن تكرار الادعاء لا يحوله إلى حقيقة. فالمعيار الحقيقي هو الدليل الذي يمكن التحقق منه.


سؤالان قد يغيران الكثير


عندما تتعرض لرسالة مؤثرة، توقف واسأل:


ماذا يريد مني صاحب هذه الرسالة أن أشعر؟


ثم اسأل:


ماذا يريد أن يكون رد فعلي بعد أن أشعر بذلك؟


إذا كانت الرسالة تريد أن تجعلك خائفًا ثم تدفعك إلى قرار سريع، توقف. وإذا كانت تريد أن تجعلك تكره مجموعة من البشر، توقف. وإذا كانت تريد أن تقنعك بأن كل من يخالفك خائن أو عدو، توقف. وإذا كانت تريد منك نشرها فورًا قبل أن تتحقق منها، توقف.


فالتوقف أحيانًا هو أول فعل من أفعال المقاومة.


لا أحد محصّن بالكامل

حتى الإنسان المتعلم والمثقف يمكن أن يُضلل، وصاحب الخبرة يمكن أن يخطئ. لذلك لا تعني المناعة الفكرية أن تقول:

"أنا لا يمكن أن أخدع"،

بل أن تقول: "يمكن أن أخطئ، ولذلك سأتحقق".

وهذه الجملة البسيطة قد تكون أحد أهم أسوار العقل.

 

إلى الدولة العراقية

العراق يحتاج إلى حماية حدوده وأمنه ومؤسساته، ومواجهة الإرهاب والتجسس والجريمة المنظمة والتهديدات الخارجية. لكنه يحتاج أيضًا إلى حماية البيئة المعلوماتية التي يعيش فيها المواطن. وقد دعمت اليونسكو مبادرات تتعلق بالتحقق من المعلومات ومواجهة التضليل، كما دعمت في عام 2026 تعاونًا بين منظمات عراقية لمواجهة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة والمحتوى الضار، مع التأكيد على حماية حرية التعبير والوصول إلى المعلومات. ومن هنا يمكن للعراق أن يبني مشروعًا وطنيًا طويل المدى للمناعة الفكرية والمعلوماتية، تشترك فيه المؤسسات الحكومية والجامعات والمدارس والإعلام والخبراء والمجتمع المدني. لكن نجاح هذا المشروع يتطلب حدودًا واضحة:


لا مراقبة للضمائر، ولا تجريم للاختلاف، ولا مطالبة المواطن بالثقة العمياء بالحكومة.


المطلوب هو مواجهة التضليل المنظم والتحريض على العنف والكراهية والتدخلات غير المشروعة، مع بناء مواطن قادر على التفكير بنفسه.


 

إلى المواطن العراقي

ابدأ بنفسك، ثم بيتك، ثم أبناءك.

إذا جاءك خبر، تحقق منه حتى لو كان يسعدك. وإذا غضبت، انتظر. وإذا خالفك شخص، لا ترفض كلامه قبل أن تعرف إن كان صحيحًا. اقرأ، وقارن، واسأل، وناقش، وغيّر رأيك عندما يظهر الدليل. ولا تسمح لأي شخص أن يحتكر الحقيقة داخل عقلك. لأن العراق لا يحتاج إلى شعب يفكر بطريقة واحدة. الاختلاف في السياسة والدين والفكر والثقافة أمر طبيعي في أي مجتمع حي. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى كراهية، والكراهية إلى خوف، والخوف إلى طاعة عمياء، ويصبح الإنسان مستعدًا لإقصاء أخيه أو طرده أو إيذائه لأنه صدق رواية لم يتحقق منها. وعندها لا يعود الخطر مجرد اختلاف في الرأي، بل يصبح الإنسان نفسه أداة في يد من يملك الرواية. وما جرى لبلدنا لم يكن نتيجة عامل واحد، ولا يمكن اختزال عقود من الألم في جملة واحدة. لان التجربة أظهرت أن المجتمع يصبح أكثر هشاشة عندما تتسع الفجوات بين أبنائه، ويغيب الأمن، وتتراجع الثقة، وتتحول المعلومات إلى وقود للخوف والكراهية.


ولهذا يجب أن يسأل كل واحد منا:


لماذا أعتقد بهذا الاعتقاد؟ من أين جاءت هذه الفكرة؟ من المستفيد من تصديقي لها؟ وهل أملك دليلًا عليها؟


أخيرًا: أنقذ عقلك أولًا


ربما لا نستطيع منع الأكاذيب من الوصول إلينا، ولا نستطيع معرفة كل من يحاول التأثير فينا، ولا يمكننا أن نعيش خلف جدار يعزلنا عن العالم. لكن يمكننا أن نبني داخل الإنسان شيئًا أقوى من الجدار:


 الوعي. وعي يجعله يتوقف قبل أن يصدق، ويتحقق قبل أن ينشر، ويسأل قبل أن يتبع، ويختلف دون أن يكره، ويقول:


"لا أعرف" عندما لا يعرف، و"كنت مخطئًا" عندما يكتشف خطأه.


هذا الإنسان يصعب التلاعب به.


والصغير الذي يتعلم هذه القواعد اليوم قد يصبح المواطن الذي يحمي وطنه غدًا، دون أن يحمل سلاحًا. فالوطن لا تحميه الأجهزة وحدها، ولا القوانين وحدها، ولا الجيوش وحدها. تحميه أيضًا عقول مواطنيه. والأوطان لا تسقط دائمًا عندما تُهزم جيوشها. لأن الهزيمة أحيانًا تبدأ قبل ذلك بكثير؛ تبدأ عندما يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين الحقيقة والكذبة، وبين الاختلاف والعداء، وبين النقد والخيانة، وبين الخوف والحقيقة. عندها لا يحتاج من يريد تمزيق المجتمع إلى هدم جدرانه؛ يكفيه أن يدخل إلى عقول أبنائه. ولهذا، إذا أردنا أن ننقذ الأجيال القادمة من المطبات التي وقعنا فيها، فلا يكفي أن نحذرهم من "الأفكار الهدامة". علينا أن نعطيهم شيئًا أعظم:


القدرة على اكتشافها بأنفسهم.


فالمجتمع المحصّن ليس مجتمعًا لا يسمع إلا صوتًا واحدًا، بل مجتمع يستطيع أن يسمع الأصوات المختلفة، ثم يسأل ويفكر ويميز ويختار. وحين يصبح العقل حرًا، واعيًا، قادرًا على الشك والتحقق، يصبح من الصعب أن يتحول الإنسان إلى أداة في يد أحد.


وهذه هي المناعة الفكرية الحقيقية.


 




 

تعليقات

أحدث أقدم