مقامة الأَكْنَام : بين هَنْدَسَةِ اللَّفْظِ وَإِشْرَاقَةِ المَعْنَى

مشاهدات


صباح الزهيري


أطلّت علينا الشاعرة العابرة للأفق , فاطمة الفلاحي - وهي التي تعتاد دوماً أن تكتب لقُرّاء المستقبل وتُسائل خوارزميات العصر - بمعينٍ جديد من مُبتكرات الكتابة , فبعد أن كانت السبّاقة في إرشادنا إلى عوالم الهايكو والهايبون بكل ما فيهما من إيجازٍ وتكثيف , تفتح لنا اليوم باباً جديداً على طريقة الأَكْنَام Acrostic , تلك التي تُعرف في تراثنا المفهومي والجمالي بالقصيدة الفقرية أو أسلوب أوائل الحروف , وهي استراتيجية تعبيرية وبنائية حِذْقَة , تعتمد على غزل النص بحيث تشكّل الحروف الأولى من أسطره أو كلماته المتتالية مفتاحاً لكلمةٍ سِرِّيّة أو جملةٍ مِعْمَارية تمنح النص بُعداً هندسياً ثانياً , ولئن شاع استخدام هذه الطريقة قديماً وحديثاً كأداةٍ ذهنية لتنشيط الذاكرة وتيسير استظهار المعارف المعقدة , فإنها ترتقي في يد المبدع لتغدو طرازاً فنيّاً فريداً من الشعرية المعاصرة , يمزج بين صرامة الشفرة البنائية وحرية التداعي الإبداعي.


وفي هذا السياق , أتحفتنا الشاعرة بلوحةٍ روحيةٍ تتجلّى فيها إشراقات الفناء في الذات والحلول في العشق الإلهي والوجداني , قصيدةٌ صيغت ببراعةٍ على طريقة الأَكْنَام لتتلاقاط الحروف الأولى من شطورها رأسياً وتشكل العِقد الفريد ل صَ دْ فَة عُ بـُ و ر تلك اللحظة الفارقة التي تتماهى فيها الذات الإنسانية وتستحيل غياباً شاملاً في حضرة المحبوب :


ص : صبوت إليك حتى غبت عني ,
د : دنوت فصار هذا الكون غيما.
ف : فما نفسي سوى نفس غريب ,
ة , (تاء) : تمطت في محبتك المنايا.
ع : عرفتك في جلال الصمت نورا ,
ب : به تمحو إذا تجلو الخطايا.
و : وجدتك في جراح الروح بلسما ,
ر : رأيتك حين لم أر لي بقايا.

إنها تجربةٌ تتجاوز التأنّق الشكلي والألعاب اللفظية إلى صلب التجربة الصوفية , حيثُ تشتبك هندسة الحرف بأشواق الرؤيا , ليغدو الكتمان في أوائل الحروف دليلاً هادياً إلى سرّ التجلي في نهايات الأبيات.

ولئن بدا أسلوب الأكروستيك , أو الشعر الحروفي, مظهراً تجريبياً معاصراً , فإن جذوره الضاربة في أفق التراث الإنساني تمتد إلى تقاليد شعرية وأدبية عريقة لدى ثقافاتٍ متعددة , بدءاً من المزامير القديمة وصولاً إلى آداب الشرق والغرب , وقد عرفت الآداب العربية هذا المنزع البنائي في صورٍ حروفية , وتوشيحاتٍ بديعية , وترتيباتٍ خبيئة , كانت تهدف إلى المزاوجة بين اللذة الذهنية والحمولة الوجدانية. وفي قصيدة صدفة عبور , لا تقف هذه الحروف عند حدود التأنّق الشكلي بل تنتظم بحذقٍ لتصوغ عنوانها الداخلي , مانحةً النص وحدةً معمارية تتجاوز جمال اللفظ الظاهر إلى دلالة التكوين العميق , إذ تتعانق فيها حرارة الشوق اللائف مع سكينة التأمل الصوفي , وتتداخل حرقة التجربة العاطفية مع إشراقات الروح وهي تنقب عن حقيقةٍ مطلقة تتجاوز ضيق الذات إلى متسع التجلي , إنها قصيدةٌ مكثفةٌ في مبناها , باذخةٌ في معناها ودلالاتها , تجعل من العشق جسراً للتحول الداخلي والارتقاء الروحي , ومن الغياب الظاهري وسيلةً مثالية لاكتشاف الحضور الأعمق والأزلي للمحبوب . ولا يقف البناء الحروفي في هذه القصيدة عند حدود الزينة الشكلية أو التأنق البديعي العابر , بل يتحول إلى إطارٍ وجوديّ يحتضن التجربة الوجدانية في أصفى حالاتها , إذ ترسم الحروف الأولى مساراً شعورياً متدرجاً , وتمنح الأبيات خيطاً ناظماً وترابطاً خفياً , حتى لتبدو القصيدة نسيجاً محكماً تتشابك خيوطه في الظاهر والباطن , وهنا بالذات تتجلى براعة الشاعرة واقتدارها الفني , كيف تُخضع الفعل الكتابي لنظامٍ حروفيٍّ محدد وشديد الانضباط , بينما تظل الروح حرةً طليقة في اندفاعها الشاهق نحو المطلق واللامتناهي؟

فعندما تفتتح الشاعرة تجربتها بقولها :
صَبَوْتُ إليك حتى غبتُ عنّي ,

فإنها تضعنا مبكراً أمام جوهر المفارقة العشقية في التصوف , إذ كلما اشتدت صبابة العاشق وتوجهه إلى المحبوب , انزوت الأنا وتراجعت الذات عن مركزيتها , إن الغياب هنا ليس انقطاعاً أو عدماً , بل هو انحسارٌ مبارك للذات الفانية أمام حضورٍ مطلق يتجاوزها ويستغرقها , ثم يأتي الدُّنُوّ في البيت الثاني ليحيل هذا الكون إلى غَيْم , فتتعدل صلبة العالم المألوف وتبتعد جلموديتها , وكأن العاشقة تعبر من ضيق المحسوس والمادي إلى أفقٍ هلامي شفيف , تتلاشى فيه الحدود الحصينة وتسقط أمامه اليقينيات الظاهرة لحساب يقين الوجد والإشراق. ثم نصل إلى ذروة الفناء في التجربة الصوفية , حين تبلغ القصيدة غايتها وعمقها الروحي الشاهق في قول الشاعرة :

فَما نفسي سوى نفسِ غريبٍ ,

إذ لم تعد الذاتُ مطمئنةً إلى صورتها القديمة , ولا قارةً في حجبها المألوفة , بل غدت غريبةً عن أنائها الأولى , تنقب عن معنى أزليٍّ جديد لوجودها. وهذا الاغتراب الوجداني يلامس صلب مفهوم الفناء في التراث الصوفي , حيث تتوارى الأنا المتضخمة وتنحسر النرجسية أمام سطوة المحبة وإشراقات المعرفة الروحية , في تجربةٍ رمزية فارقة تعبر عن التسامي على الأنانية والتحرر من سجن الذات , لا عن انعدام الوجود المادي أو المحو السلبي . وتكتمل هذه الرؤية في الشطر التالي بعبارةٍ مشحونة بأعلى درجات التكثيف والمفارقة البلاغية المؤثرة :

تَمَطَّتْ في محبتك المنايا ,

حيث يتجاور العشق والموت في عناقٍ صوفي بديع , فالموت هنا ليس غياباً نهائياً أو فناءً بيولوجياً , بل هو الموت الرمزي للأنات القديمة وشعائرها الضيقة , شرطاً لازماً وباباً بكرًا للعبور نحو التجدد الروحي , والانبعاث في رحاب المحبوب المطلق . وتصل الإشراقةُ الوجدانية إلى أوجِ صفائها عند قولها :

عَرَفْتُكَ في جلال الصمت نُوراً ,

حيث يتجرد الصمتُ هنا من كونه مجردَ فراغٍ أو صمتٍ سلبي , ليرتقي إلى مرتبة اللغة العُليا وباب المعرفة الأسمى , فالمحبوب في العرفانيات لا يُدرَك بالزخرف اللفظي أو القول الدارج , بل بما يتركه حضوره البهي من انشراحٍ وانكشافٍ داخلي. ويبرز النور في هذا المقام رمزا للفتح والهداية والانجلاء , بينما تلوح الخطايا بوصفها تلك التراكمات والكدرات التي تثقل كاهل الروح وتغيم على بصيرتها , لتغدو المحبةُ بمثابة إكسير تطهير وقوة غفران تدسّ النقاء المفقود في جوهر الإنسان وتغسل أدرانه. ثم تتوج الشاعرة هذه الرحلة برؤيةٍ شفائية جليلة حين تقول :

وَجَدْتُكَ في جراح الروح بلسمًا ,

وهي صورةٌ بديعة تنقل الحب من دائرة الانفعال العاطفي العابر إلى فضاء الترميم الروحي والوجداني , فالمحبوب هنا ليس مجردَ موضوعٍ للوجد أو ملاذٍ للشوق , بل هو ملاذُ عافية , وطاقةُ شفاءٍ مطلق تعيد للروح الجريحة قدرتها على التسامي والتصالح مع أوجاعها , واحتمال وطأة العالم وشجونه. وتصل التجربةُ الروحية إلى أوجِ ذروتها الدلالية , واللحظةِ الحاسمة في مسارها الإشراقي , عند البيت الأخير الذي تختتم به الشاعرة إبحارها :

رَأَيْتُكَ حين لم أَرَ لي بقايا ,

ففي هذه اللحظة بالذات , عندما ترتفع الأنا عن ادعاء الملكية أو التوهم بالاكتمال الذاتي , وتضمحل أوهام الوجود المستقل , تنفتح أمام البصيرة إمكانية الرؤية الجديدة الشاملة , إنها مفارقة الكشف العرفاني الباهرة , أن يكون المحوُ الشرطَ الوحيد للإثبات , وأن يغدو انعدام الصورة القديمة بدايةً بكرةً لاكتشاف حقيقةٍ أعمق وأزليّة , حيث يصبح العبور من ضيق الذات المنغلقة خروجاً مباركاً إلى سعة المعنى ورحاب المطلق. وهنا يتجلى عنوان النص صَدْفَة عُبُور ليس مجرد شفرةٍ حروفيّةٍ جُمعت من أوائل الأبيات , بل مفتاحاً تأويلياً يُفكّك أسرار الرؤية كُلّها , فالصدفة التي تبدو للناظر الظاهري مجرد رمشة عينٍ أو سوانح اتفاق , تخفي في باطنها تحولاً وجودياً كاملاً , والعبور الذي يظنه المارّ لحظةً خاطفة , يتكشف عن حدثٍ جوهريٍّ زلزال يزلزل أركان الذات القديمة , ويُعيد تشكيل الوجود والوعي من جديد.

ختاماً , تتجلى صَدْفَة عُبُور كلوحةٍ شعريةٍ نادرة تُتوّج الاقتدار الفني , وتنجح بحذقٍ مشهود في التوفيق بين الاقتصاد اللغوي والتكثيف الروحي , وبين صرامة الانضباط الحروفي وانسيابية الوجد العارم , لقد استطاعت المبدعة فاطمة الفلاحي أن تُحيل الحرف من قيدٍ هندسيٍّ صلب إلى عتبةِ إشراق , وأن تجعل من الحب رحلةَ ارتقاء , ومن الغياب محكّاً واختباراً للكشف الصوفي , ومن الفناء الرمزي للذات نافذةً أثيرية يطل منها الصفاء الأبدي. إنها تجربة كتابية تعتمد على جماليات الهمس لا ضجيج الصراخ , فتومئ أكثر مما توضح , وتوحي أكثر مما تشرح , تاركةً للمتلقي مساحةً رحبة كي يشاركها تجربة العبور , ويتدرج من الظاهر اللفظي للنص إلى باطن المعاناة الوجدانية , وفي عمق جمالياتها , تهمس لنا القصيدة بالحقيقة الخالدة , إن بعض اللقاءات والصدف لا تعبر في هامش أيامنا مروراً عابراً , بل تعبر إلى أعمق أركان أرواحنا , لتُعيد تشكيل وعينا , وتغير الطريقة التي نرى بها ذواتنا والعالم. فما أبهى أن تكون الصدفة بوابةً لبداية عبورٍ وجودي , وما أجمل أن يستحيل الحبُّ نوراً هادياً لا ندّعي حيازته أو امتلاكه , بل نتعلم في جنبات حضرته الهيبة , وكيف نتجاوز ضيق أنائنا المنغلقة لنصغي بنقاءٍ كامل إلى نداء الروح الأزلي .

تعليقات

أحدث أقدم