المقامة البغدادية في جحود الرعية .

مشاهدات


صباح الزهيري


حَدَّثَ الحَارِثُ بْنُ هَمَّامٍ قَالَ :
شَاهَدْتُ يَوْماً عَلَى شَاشَاتِ النَّوَاظِرِ, مَشْهَداً تَشِيبُ مِنْهُ النَّوَاظِرُ , رَجُلاً كَانَ بِالأَمْسِ نَائِباً فِي الدِّيوَان , يُجْبَى إِلَيْهِ رَاتِبٌ تَقَاعُدِيٌّ دِرْهَمَانِ وَقِنْطَارَان , وَتَحُفُّ بِهِ حِمَايَاتٌ رَوَاتِبُهُمْ مِنْ خَزِينَةِ السَّوَاد , وَقَدْ نَالَ مِنَ الأَرَاضِي وَالمُقَاوَلاَتِ مَا بَلَغَ المُرَاد , وَيَحْمِلُ جِنْسِيَّةَ هَذَا الوَطَنِ العَرِيق . بَيْدَ أَنَّهُ خَرَجَ بِكُلِّ أَرِيحِيَّةٍ وَصَفَاء , لِيَقُولَ عَبْرَ أَثِيرِ الفَضَاء :

إِنَّ دَوْلَةَ الجِوَارِ تَاجٌ عَلَى رُؤُوسِ أَهْلِ العِرَاق ,

فَإِذَا بِمُقَدِّمِ البَرْنَامَجِ يَسْتَشِيطُ غَضَباً وَيَأْبَى هَذَا المَسَاق , لَكِنَّ الصَّدْمَةَ كَانَتْ أَدْهَى وَأَمَرّ , حِينَ انْبَرَى لَهُ مُحَلِّلٌ سِيَاسِيٌّ لِيَزِيدَ النَّارَ جَمْر , زَاعِماً أَنَّ هَذَا الخُضُوعَ شَرَفٌ لِلْعِرَاقِيِّينَ وَفَخَار .

وَمَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبَارِحَة , إِذْ تَذَكَّرْتُ مَعَ هَذَا الصِّرَاعِ المُعِيب , شَيْخاً خَرَجَ عَلَيْنَا مُنْذُ زَمَنٍ غَرِيب , لِيَزْعُمَ أَنَّ العِرَاقَ لَيْسَ لَهُ فِي التَّارِيخِ جَذْرٌ وَلا مَقَام , وَإِنَّمَا هُوَ مَشْرُوعٌ لِلأَجْنَبِيِّ وَالاسْتِعْمَار .

نُكْرَانُ الجَمِيلِ وَجَهْلُ التَّارِيخ .
قَدْ تَقُولُ لِي أَيُّهَا القَارِئُ المَجِيد:
هَلْ ثَمَّةَ وَصْفٌ فِي قَامُوسِ اللُّغَةِ أَدَقُّ مِنْ الكارهِينَ لِشَعْبِهِمْ؟
وَلِمَاذَا؟
لأَنَّ هَذَا النَّائِبَ , وَرَفِيقَهُ المُلَقِّنَ , وَقَبْلَهُمَا ذَاكَ الشَّيْخَ , لَمْ يَطْرُقُوا بَابَ مَكْتَبَة , وَلَمْ يَقْرَأوا سِفْراً لِتِلْكَ المَرْتَبَة , لِيَعْلَمُوا كَيْفَ كَانَ مَوْقِفُ بِلادِ الرَّافِدَيْنِ مِنَ الصُّهْيُونِيَّةِ , وَكَيْفَ سَطَّرَ العِرَاقِيُّونَ المَلاحِمَ بِالوَطَنِيَّة , لَقَدْ جَهِلُوا أَنَّ جَمِيعَ الأَحْزَابِ قَبْلَ مِحْنَةِ الاحْتِلالِ - حَاكِمَةً كَانَتْ أَمْ مُعَارِضَة - كَانَتْ تَأْبَى هَذَا الهَوَان , وَلا تَخْلِطُ يَوْماً بَيْنَ طُهْرِ الوَطَنِيَّةِ وَرِجْسِ العَمَالَة. هَذَا العِرَاقُ الَّذِي بَنَاهُ عَمَالِقَةٌ وَرِجَالٌ عِظَام , لِيَكُونَ جُرْماً مُضِيئاً فِي مَدَارِ الأُمَمِ بَيْنَ الأَنَام , يُرَادُ لَهُ اليَوْمَ أَنْ تُبَاعَ رُؤُوسُ أَبْنَائِهِ بِبَخْسِ الثَّمَن , بَلْ إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَتَمَنَّى زَوَالَ هَذَا الوَطَن .

بَيْنَ كَبْتِ الحُرِّيَّةِ وَالعَمَالَةِ المَحْمُودَة .
أَحْزَابٌ , وَتَجَمُّعَاتٌ , وَنُوَّابٌ يَهْزَؤُونَ بِالهُوِيَّة , وَيَرَوْنَ الوَطَنِيَّةَ سُبَّةً وَعَاراً , بَيْنَمَا يَتَنَازَعُ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ صِنْفَان :

1. صِنْفٌ الأَوَّل: يَسُنُّ القَوَانِينَ لِتَكْمِيمِ الأَفْوَاهِ وَخَنْقِ التَّعْبِير.
2. صِنْفٌ الثَّانِي: يَبْتَسِمُ أَمَامَ الكَامِيرَاتِ , مُعْلِناً أَنَّ هَمَّهُ الأَوَّلَ رَفَاهِيَةُ دُوَلِ الجِوَار.

فَمَاذَا يَجِدُ المَرْءُ فِي صَدْرِهِ مِنْ غُصَّة , وَهُوَ يَرَى مَجْلِساً لِلنُّوَّابِ يَرْفَعُ شِعَارَ الطَّائِفِيَّةِ أَوَّلاً؟
لَقَدْ عَرَتْنِي انْقِبَاضَةٌ فِي الفُؤَاد , إِذْ مَا زَالَ السَّاسَةُ وَالخُطَبَاءُ يَفْرِضُونَ سَطْوَتَهُمْ عَلَى العِبَاد , حَتَّى غَدَوْنَا فِي حِيرَةٍ نَتَسَاءَل :
مَنْ هُوَ الوَطَنِيُّ؟
وَمَعَ مَنْ؟
وَإِلَى مَتَى؟

الاسْتِشْهَادُ وَالمُقَارَنَة.
فِي بِلادِ الغَرْبِ وَأَمْرِيكَا , يُحَاسَبُ المَسْؤُولُ كَائِناً مَنْ كَانَ إِذَا نَبَسَ بِنَبْسَةٍ تَجْرَحُ كَرَامَةَ بِلادِهِ , أَمَّا فِي بِلادِ الرَّافِدَيْنِ , فَنَحْنُ نَعْلَمُ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّ السَّيِّدَ النَّائِبَ لَنْ يَطَالَهُ حِسَاب , وَلَنْ يَسْأَلَهُ أَحَدٌ:

لِمَاذَا جَعَلْتَ كَرَامَةَ العِرَاقِيِّينَ كَالسَّرَاب؟

وَمَا أَصْدَقَ قَوْلَ الشَّاعِرِ القَدِيمِ فِي حَالِ مِثْلِ هَؤُلاءِ الأَدْعِيَاءِ:

أُعَلِّمُهُ الرِّمَايَةَ كُلَّ يَوْمٍ...
فَلَمَّااشْتَدَّ سَاعِدُهُ رَمَانِي
......
وَكَمْ عَلَّمْتُهُ نَظْمَ القَوَافِي...
فَلَمَّا قَالَ قَافِيَةً هَجَانِي

وَقَوْلِ الآخَرِ مِمَّنْ هَانَتْ عَلَيْهِمْ نُفُوسُهُمْ فَأَهَانُوا أَوْطَانَهُمْ :
مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيْهِ...
مَالِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إِيلامُ
.....
فَأَيْنَ عِزَّةُ النَّفْسِ يَا حُمَاةَ الدِّيَار ,
وَأَيْنَ الوَفَاءُ لأَرْضٍ أَفَاضَتْ عَلَيْكُمْ بِالخَيْرَاتِ وَالأَمْوَال؟

فيا عجبًا لِمنْ فطمتهُ أرضُ الرَّافدينِ مِنْ لِبانها , وأغدقتْ عليهِ مِنْ خيرِ سَوادِها ,

كيفَ يرتضي أنْ يكونَ عَبداً في حِمى غيْرِها؟

ولَكِنَّ التَّاريخَ كَفيلٌ بِأنْ يَمحوَ زَبَدَ الرِّجالِ ويبقى العِراقُ شامخاً بِأبنائِهِ الأُباة , فَمَنْ باعَ وطنهُ بِرِخصِ التُّراب , لَنْ يَجني مِنَ الخُسرانِ إلا الخَيبةَ وسُوءَ المُنقلَب , وسَيعلمُ الذينَ ظَلموا أيَّ مُنقلبٍ يَنْقَلِبون .

العراق - بكل ما مر به - يبقى عصيّاً على الانحناء , وتاريخه كفيل بغربلة الزبد ليبقى الأصل راسخاً كجباله ونخله.

تعليقات

أحدث أقدم