نظرية انهيار وسقوط القوى العظمى

مشاهدات



د. ضرغام الدباغ


بين أعوام 1991 / 1992، وفي ظروف شخصية سيئة جداً، أقدمت على مغامرة، لمواصلة الصمود الذاتي، تنطوي على أمرين اثنين :

الأول:
طلبت من صديق عزيز كان يواصل زيارتي في السجن، أن يأتي لي بكتاب Geschichte der Araber: Von den Anfängen bis zur Gegenwart/ تأريخ العرب منذ البدايات وحتى العصر الحالي, وهو عمل موسوعي كبير ومهم ، هذا العمل يرتقي إلى أهم الأعمال التي كتبت عن تأريخ العرب طراً . إذ يتناول الكتاب الذي ترجمته عن اللغة الألمانية من 7 أجزاء أنجزت ترجمة الأجزاء 4 الأساسية منه من اللغة الألمانية يتناول تأريخ العرب منذ البدايات (قبل الإسلام ) وحتى السبعينات، وما أنجزته هو حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وترجمة الأجزاء الاربعة (نحو 1380 صفحة) كان جهداً أصاب الكثير في صحتى، وبصري بصفة خاصة، إذ ترجمت اعتماداً على قاموس جيد (شريغلة)، وموسوعة دودن (Duden) بسيطة، وكتبتها بيدي 3 مرات أي كتبت حوالي 4000 صفحة بيدي، وقد تركت آثارها على الأصبع الأوسط في يدي الأيمن. إضافة لصعوبات كثيرة ساذكرها للقراء ذات يوم .

كنت خلال دراساتي في التاريخ السياسي للعرب المسلمين، قد قرأت الكثير من الأعمال المهمة، لعلماء ومؤرخين، ألمان، روس، فرنسيين، إنكليز، تتفاوت أعمالهم في الدقة الموضوعية، والاستيعاب الصحيح للأحداث وتفسيرها، ولكنها تتفق جميعها في عدم القدرة على فهم هذا السؤال المهم :

كيف أنتصر عرب البوادي، في جيوشهم البسيطة القليلة العدد على جيوش جرارة كثيفة العدد والعدة، ثقيلة التسليح، لإمبراطوريات كبيرة :

الإمبراطورية الساسانية،
الإمبراطورية البيزنطية ؟.
والامر كان يعني أيضا مخالفة صريحة، لمبادئ استراتيجية يتجنبها القادة السياسيون والعسكريون على السواء، وهى تجنب الحرب على أكثر من جبهة واحدة، والموقف كان في جوهره الأشتباك مع قوتين عظمتيين :

الساسانية
والرومانية،

والأمر هنا يتعدى الفارق في مستوى التسليح والتدريب وحجم الجيوش (الساسانية والرومانية)، رغم أهمية هذا العامل . إلى حجم الدولة ونظامها السياسي والإداري والاقتصادي، فالعرب القادمون من وسط شبه الجزيرة العربية، كانوا حديثي العهد (في مرحلة الانتقال إلى العصور الميلادية) في تشكيل دول كبيرة / امبراطورية تتعدى إطار الكيانات البسيطة ، (اليمن، وسط شبه الجزيرة، البتراء، تدمر، الحضر، الحيرة)
والتقاليد القبلية، وأنماط الإدارات البسيطة التي لا تتعدى مدينة أو أثنين وبعض القرى . ولكن الأسس النظرية للنظام السياسي الذي بدأ العرب المسلمون في وضع أسسه، بدا في جوهره عادلاً بدرجة كبيرة، ورؤى اجتماعية أكثر اشراقاً من قيم الامبراطوريتين والنظام المؤسس على نظم العبودية. والتحليل الموضوعي الدقيق، يقودنا إلى نتائج مقبولة منطقياً، تتفق مع سياق التطورات التاريخية اللاحقة، وفي مقدمة تلك المعطيات :

1. أن الامبراطوريتان: الساسانية والرومانية، لم تكونا في أفضل حالتهما. فالفساد السياسي والإداري كان عميق الجذور والنتائج. والسلطة السياسية كانت مقسمة بين كهنة المعابد / الكنائس، وبين الملوك والقياصرة.

2. لم تتمكن الإدارتان(الساسانية والرومانية)، من التأقلم مع السكان العرب، وكإدارات اجنبية تمثل سلطة سياسية أجنبية، كانت إرادة السكان مخالفة لهم في الذهن والمزاج واللغة والتقاليد، وتعاملوا معهم كسلطات احتلال.

3. في سوريا ومصر حيث الإدارتان على الديانة المسيحية، إلا أن المواطنين العرب المسيحيون ( كقبيلة الجراهمة مثلاً) قاتلوا مع اخوانهم العرب المسلمين ، ضد الوجود الأجنبي. وفي ذلك أنتباه مبكر لأهمية العامل القومي.

4. كان القادة المسلمين العرب يقاتلون على ظهور الخيل مع جنودهم، ويشاركونهم طعامهم وظروفهم بصفة تامة.

5. أستفاد المحررون العرب من خبرات وخدمات الموظفين في الإدارات السابقة، ولكن مع إضفاء لمساتهم الاجتماعية المميزة، فأضافوا الكثير من المؤسسات الاقتصادية التي لم تكن موجودة، كالخراج (الضريبة على الأرض)، والجزية (بدل الخدمة العسكرية )، والزكاة (الضريبة على المال المنقول).

6. تملك الأمة العربية، قوى ذاتية كامنة (وهذه هبة إلهية / طبيعية) وخصائص تتمثل بقدرتها على المطاولة، (Endurance/ ِAusdaur)وأستيعاب النكسات والهزائم، والنهوض مجدداً.

فأنا مؤرخ مجاز وأعرف ما أقول، لقد تكالبت على هذه الأمة قوى رهيبة يوم كانت في أحط درجات الأنحطاط، لقد فعل المستعمرون الفرنسيون والإيطاليون والإنكليز أفعالاً يشيب لها الولدان وحين تآمروا قبل مئة عام على الدين واللغة والحرف، وصادروا الأرض وحرموا الناس من التعليم وأغلقوا المدارس التي تعلم بالعربية، وبثوا سموم الطائفية حيثما استطاعوا إلى ذلك سبيلا في العراق ولبنان ومصر والجزائر والمغرب وفي كل مكان حلوا فيه. فشلت هذه المساعي في جوهرها، ولم تحقق إلا نجاحاً سطحياً لا أثر عميق له.

7. هناك فصول يصعب فهمها : كيف أنتصر خالد بن الوليد على جيش الروم الذي يفوقه بأضعاف مضاعفة ، ثم أقرأ عن معركة أنوال في المغرب، وأقرأوا عن معارك عبد الكريم الخطابي، أقرأوا عن معارك في تأريخنا المعاصر، تحرير الجزائر، اليمن الجنوبي، النضال في سوريا (الثورة السورية الكبرى) والعراق (ثورة العشرين ــ القادسية الثانية) ثم اسألوا أنفسكم لماذا كانت هذه الأرض وهذه الأمة مقبرة للغزاة، هنا أنتهت كل الأمبراطوريات التي حاولت أن تغزو بلادنا، أن تجعلنا خيوطا رفيعة في ثقافتها، وأين مصيرها ؟
فبعضها كف عن الوجود نهائياً :
إمبراطورية أكسوم،
إمبراطورية الفرس الساسانيين،
الأغريق،
الرومان،
دول الديودوشان( Diadoschen /خلفاء الأسكندر، وهنا أنتهت ايضاً بريطانيا كقوة عظمى، وعندما حاولت أن تستعيد دورها الضائع ولو تحت كنف الولايات المتحدة ، فرت لا تلوي على شيء في المعارك اللاحقة (خسرت الدول المنتدبة، وشرقي السويس وعدن)، وفرنسا فقدت آخر كبريائها هنا في المغرب وتونس وأخيراً في الجزائر، وإيطاليا في ليبيا. إلا أنهم أخفقوا وكان الأخفاق بداية الأنهيار.

8. على أبواب هذه الأمة تحطمت قبضات جيوش وإمبراطوريات (أكسوم الاثيوبية، الساسانيين، والروم) ومن يعش سيرى الكثير، جذور هذه الأمة عميقة، وقدرتها على المطاولة رهيبة، من يصدق لولا الصور الفوتوغرافية لطفل في العاشرة يرتدي سروالاً قصيراً ويحتذي صندلاً يقابل دبابة صهيونية بحجارة .. والله لولا الصور لا يصدق أحد منا أبشروا بما بايعتم وطنكم وعروبتكم ودينكم عضوا عليها بالنواجذ، أنظروا إلى الأمام.. إلى الأمام.. قدر هذه الأمة أن تصارع الزمن وأنتم منتصرون حتماً .....!

9. الدول لن تكون عظمى إذا اتسعت جغرافيتها، أو تعاظمت ثرواتها (بالاستيلاء ونهب ثروات شعوب أخرى، أو تكنولوجيتها العسكرية)، أبتداء يجب أن ترتكز على مبادءئ أخلاقية سامية تستحق التعميم، وعلى عدالة في مواقفها، وعلى صادرات مفيدة للإنسانية، وإلا فالكبير قد لا يبقى كبيرا إلى الابد، والفقير قد يصبح في مرحلة ما ثرياً، وينافس على المقاعد المتقدمة، الصين والهند تعطي الأمثلة .
10. العرب أنتصروا في جميع معاركهم على قوى كبيرة :
امبراطورية أكسوم / الحبشة،
والامبراطورية الساسانية،
الامبراطورية الرومانية،
إيطاليا،
بريطانيا،
أسبانيا،
فرنسا،

وكل هذه الدول الكبرى حاول تدمير العرب،

11. العرب لم يحتلوا عواصم الغرب، ولكن وجودهم كقوى استعمارية... وكدول عظمى أنتهى. وعلى الأرجح إلى غير رجعة، والأسباب الجوهرية التي لا يودون سماعها، هي أنهم فقدوا جوهرياً أسباب ومقومات تألقهم وتقدمهم، وإحدى أهم الساحات التي خسروا فيها كانت أقطار عربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

12. هذه هي الدروس التأريخية الرئيسية، اليوم يتبادل المستعمرون الاتهامات ( الكولونياليون ) القدامي الأوربيين يتهمون صراحة أو ضمناً المستعمرون الجدد ( الإمبرياليون / الإمبريالية الجديدة، العولمة): السياسية الأمريكية وعواقب طموحاتها، وعدم تقبلها نصائح الأوربيين الأكثر خبرة في إدارة الصراعات، ولكن أميركا ترفض هذه المزاعم، وتعتبر الأوربيين مشبعين بأفكار رجعية، وأنهم (Oldversion) يتعاملون مع القضايا بعقلية أستعمارية قديمة تنتمي للقرن الثامن والتاسع عشر، ولا تمت لهذا العالم ولمعطياته وفق قاعدة (من شب على شيء، شاب عليه). للتأريخ عبرة بالطبع، وهذه تكمن في الحسابات وتؤخذ بالاجمالي، وبالحصيلة العامة، وليس بحدث معين، فدراسة التأريخ تعني دراسة فلسفة التأريخ، وليس تدوين الاحداث التأريخية (الكرونولوجيا/ cronologia ) ودراسة التأريخ هي فلسفة الدراسة المادية للتأريخ، وفيها ومنها سنتوصل لفهم دقيق وإجابة علمية على الأسئلة الدقيقة.

تعليقات

أحدث أقدم