حرب الناقلات: صراع البحر والنفط بين واشنطن وطهران

مشاهدات



الفريق الركن صباح نوري العجيلي


دخلت المواجهة الأمريكية – الإيرانية في الخليج مرحلة جديدة أكثر خطورة، بعد انتقال الصراع من استهداف المنشآت والقواعد العسكرية إلى حرب مباشرة على حركة السفن وناقلات النفط. وأصبح الخليج العربي ومضيق هرمز وخليج عُمان إحدى أهم ساحات الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، لما تمثله من أهمية استراتيجية واقتصادية وعسكرية .  وفي تطور لافت، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية يوم 5 أيلول / سبتمبر أن قواتها استهدفت ثلاث ناقلات نفط إيرانية، عقب هجوم قالت سنتكوم إن الحرس الثوري الإيراني نفذه بالصواريخ الباليستية ضد سفينتين تابعتين للبحرية الأمريكية. وأفادت القيادة المركزية بأن ناقلتين عُطّلتا بصورة دائمة، فيما دُمّرت ناقلة ثالثة، وأن إحدى العمليات وقعت قرب جزيرة خرج، بينما استهدفت ناقلة أخرى قرب جاسك، والثالثة في خليج عُمان . ويمثل هذا التطور انتقالاً نوعياً في طبيعة الحرب؛ إذ لم تعد الناقلات مجرد وسيلة لنقل النفط، وإنما تحولت إلى أهداف عسكرية واقتصادية في صراع تسعى فيه الولايات المتحدة إلى حرمان إيران من عوائد النفط، بينما تحاول طهران استخدام قدراتها البحرية والصاروخية لرفع كلفة الحصار وتهديد المصالح البحرية الأمريكية.


تجدد حرب الناقلات:

ليست حرب الناقلات ظاهرة جديدة في الخليج. فقد شهدت المنطقة خلال الحرب العراقية – الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي ما عُرف بـ حرب الناقلات، عندما امتدت المواجهة إلى السفن التجارية وناقلات النفط وموانئ التصدير. وكان العراق يسعى إلى إيقاف صادرات النفط الإيرانية وإضعاف قدرتها الاقتصادية على تمويل الحرب، في حين حاولت إيران تهديد الملاحة المرتبطة بالعراق ودول الخليج الداعمة له. وقد أدت القوة الجوية العراقية آنذاك دوراً مهماً في ضرب المنشآت والموانئ ومناطق تحميل النفط الإيرانية، كما شاركت الطائرات العمودية الفرنسية (سوبر فريلون) في العمليات البحرية، ولا سيما في مواجهة السفن والناقلات وتنفيذ عمليات بعيدة عن السواحل . واليوم تتكرر الاحداث ذاتها، ولكن بوسائل أكثر تطوراً؛ فالصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والاستطلاع الفضائي والأقمار الصناعية والطائرات المقاتلة والسفن الحربية أصبحت أدوات أساسية في الصراع على المجال البحري.


الحصار البحري كسلاح اقتصادي:

تسعى الولايات المتحدة إلى تحويل تفوقها البحري إلى أداة ضغط اقتصادي مباشر على إيران. فالحصار البحري لا يعني بالضرورة إغلاق الموانئ بالقوة، وإنما يمكن أن يتحقق من خلال مراقبة خطوط الملاحة، واعتراض السفن، وتقييد حركة الناقلات، ومنع السفن من الوصول إلى الموانئ الإيرانية، واستهداف السفن التي تحاول كسر الحصار. وتكمن خطورة هذا الأسلوب في أنه يضرب الاقتصاد الإيراني من نقطة حساسة جداً، وهي تصدير النفط. فالنفط ليس مجرد سلعة تصديرية بالنسبة إلى إيران، وإنما أحد أهم مصادر العملة الصعبة وتمويل الدولة والاقتصاد. وبالتالي فإن استهداف الناقلات لا يضرب السفينة وحدها، بل يوجه رسالة إلى شركات النقل والتأمين والموانئ والدول التي تشتري النفط الإيراني، مفادها أن نقل النفط الإيراني أصبح ينطوي على مخاطر عسكرية كبيرة.


الرد الإيراني: البحر مقابل البحر:

في المقابل، تمتلك إيران مجموعة واسعة من الوسائل التي تستطيع استخدامها لمواجهة التفوق البحري الأمريكي. فالقوة البحرية الإيرانية لا تعتمد فقط على السفن الكبيرة، وإنما تقوم عقيدتها على الحرب البحرية غير المتماثلة، التي تجمع بين الزوارق السريعة (اسطول البعوض)، والصواريخ المضادة للسفن، والطائرات المسيّرة ، والألغام البحرية، والصواريخ الساحلية، والكمائن البحرية. وتمنح هذه الوسائل إيران قدرة على تهديد الملاحة حتى في حال عدم امتلاكها التفوق البحري التقليدي . وتكمن الفكرة العسكرية الإيرانية في تحويل البيئة الجغرافية للخليج ومضيق هرمز إلى عامل قوة؛ فالمياه الضيقة والممرات المحدودة للحركة البحرية تجعل السفن الكبيرة والناقلات أكثر عرضة للمراقبة والاستهداف مقارنة بالعمليات في البحار المفتوحة . ومن هنا تعتمد إيران على استراتيجية الحرب البحرية غير المتماثلة، التي تقوم على جعل حركة السفن الأمريكية والتجارية مكلفة وخطرة، من دون الدخول بالضرورة في معركة بحرية تقليدية واسعة.


استهداف السفن الأمريكية:

إعلان الولايات المتحدة أن الحرس الثوري استهدف سفناً حربية أمريكية بالصواريخ يمثل تطوراً بالغ الأهمية؛ لأنه ينقل المواجهة من مستوى الضغط على الناقلات إلى المواجهة المباشرة بين القوات البحرية. وقد أفادت القيادة المركزية الأمريكية بأن حاملة طائرات ومدمرة أمريكية تمكنتا من تفادي هجمات إيرانية متعددة، من دون إصابات بين الأفراد الأمريكيين . ومن الناحية العسكرية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول عملية استهداف ناقلة أو سفينة حربية إلى سلسلة من عمليات الرد والرد المقابل. فإذا استهدفت إيران سفينة حربية امريكية، ترد الولايات المتحدة بضربة على ناقلة أو منشأة نفطية، ثم ترد إيران باستهداف سفينة أمريكية أو سفينة مرتبطة بالمصالح الأمريكية، وهكذا يمكن أن تتشكل حلقة تصعيد بحرية يصعب وقفها . ولهذا فإن حرب الناقلات تحمل خطراً أكبر من حجم الأهداف نفسها؛ لأن أي إصابة مباشرة لسفينة أمريكية، وخصوصاً سفينة حربية، قد تدفع واشنطن إلى توسيع نطاق أهدافها ليشمل القواعد البحرية والصواريخ الساحلية ومراكز القيادة والسيطرة وموانئ الحرس الثوري.


جزيرة خرج في قلب المعركة:

يحظى استهداف ناقلة قرب جزيرة خرج بأهمية عسكرية واقتصادية خاصة ؛ فالجزيرة تمثل أحد أهم مراكز تصدير النفط الإيراني.  وبالتالي فإن الاقتراب من منطقة خرج يعني أن الصراع البحري يقترب من القلب النفطي للاقتصاد الإيراني. وإذا توسعت العمليات لتشمل المرافئ ومحطات التحميل والمنشآت النفطية، فإن المعركة ستنتقل من حرب ناقلات إلى حرب على البنية التحتية النفطية الإيرانية، وهو تطور يمكن أن تكون له آثار كبيرة على الاقتصاد الإيراني وأسواق الطاقة العالمية.


مضيق هرمز: نقطة الاختناق

يبقى مضيق هرمز أهم عامل في هذه المعادلة. فهو ليس مجرد ممر مائي، وإنما نقطة اختناق استراتيجية تستطيع من خلالها إيران التأثير في حركة الطاقة العالمية. ولهذا فإن السيطرة على حركة الملاحة في المضيق أو تهديدها تمنح طهران ورقة ضغط استراتيجية لا تتناسب مع حجم قدراتها البحرية التقليدية. وفي المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن تعطيل الملاحة في المضيق سيشكل ضربة استراتيجية لمصالحها ولمصالح حلفائها في الخليج، ولذلك ستعمل على إبقاء الممرات البحرية مفتوحة باستخدام القوة البحرية والجوية ووسائل الاستطلاع والدفاع الجوي والصاروخي.


المقارنة العسكرية:

من الناحية التقليدية، تمتلك الولايات المتحدة تفوقاً واضحاً في القوة البحرية، وخاصة في حاملات الطائرات والمدمرات والغواصات والطائرات البحرية والاستطلاع والقدرات الفضائية. لكن التفوق البحري الأمريكي لا يعني أن إيران عاجزة عن إلحاق خسائر مؤثرة . فالحرب غير المتماثلة تمنح إيران إمكانية استخدام وسائل منخفضة الكلفة نسبياً ضد أهداف مرتفعة القيمة، مثل الناقلات والسفن الحربية.


وهذه هي المعادلة التي تحاول طهران استغلالها:

صاروخ أو مسيّرة أو لغم منخفض الكلفة في مواجهة سفينة أو ناقلة مرتفعة القيمة. أما الولايات المتحدة فتسعى إلى عكس المعادلة من خلال استخدام التفوق الجوي والبحري والاستخباري لضرب مصادر التهديد البحري ومنصات الإطلاق ومراكز القيادة والسيطرة.


من حرب الناقلات إلى حرب الموانئ

إذا استمرت المواجهة، فإن المرحلة المقبلة قد لا تقتصر على الناقلات، بل يمكن أن تمتد إلى الموانئ والمنشآت النفطية ومصادر التهديد البحري . وقد تشمل العمليات، بحسب تطور المواجهة، موانئ تصدير النفط، ومحطات التحميل والتخزين، ومواقع الصواريخ الساحلية، ومراكز القيادة البحرية، ومنشآت الرادار والمراقبة، ومناطق انتشار الألغام . وهذا يعني أن الحرب البحرية يمكن أن تتحول إلى حملة جوية – بحرية متكاملة هدفها التأثير في قدرة إيران على استخدام المجال البحري كسلاح استراتيجي.


التحليل العسكري

إن أخطر ما في حرب الناقلات الحالية أنها قد تتحول من عمليات محدودة ومدروسة إلى مواجهة بحرية واسعة. فالولايات المتحدة تمتلك القدرة على توسيع نطاق العمليات وضرب مصادر القوة البحرية الإيرانية، بينما تمتلك إيران القدرة على نشر التهديد على مساحة واسعة باستخدام الصواريخ والمسيّرات والزوارق والألغام . ومن ثم فإن النتيجة لن تعتمد فقط على عدد السفن التي يمكن تدميرها، وإنما على قدرة كل طرف على الاستمرار في العمليات، وحماية خطوط إمداده، والحفاظ على حرية الحركة البحرية، وتحمل الخسائر الاقتصادية والعسكرية. وإذا واصلت الولايات المتحدة سياسة (ناقلة مقابل ناقلة)، كما ظهر في العمليات الأخيرة، فقد تتحول الناقلات إلى إحدى أهم ساحات الردع المتبادل بين الطرفين . كما أن انتقال الضربات إلى مراكز تصدير النفط أو السفن الحربية قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة، تتحول فيها حرب الناقلات إلى حرب بحرية مفتوحة في الخليج.

تعليقات

أحدث أقدم