مشاهدات
محمود الجاف
هناك أناس يموت أحباؤهم، فيبكون ويحزنون، ويعيشون أيامًا ثقيلة، ثم يبدأون، ببطء شديد، في استعادة حياتهم. وهناك أناس آخرون يحدث لهم شيء مختلف. يموت شخص واحد، لكن شيئًا في داخلهم يموت معه. تعود الأيام إلى سيرتها الأولى، لكنهم لا يعودون معها. يعود أحدهم إلى البيت، فيبحث عن وجهٍ اعتاد أن يراه، ثم يتذكر أن ذلك الوجه لن يعود. يمد يده إلى الهاتف ليتصل بمن أحب، ثم يتوقف فجأة؛ لأن الرقم ما زال محفوظًا، لكن صاحبه لم يعد موجودًا. يمرّ من مكان كان يجمعهما، فيشعر أن المكان لم يتغير، وأن العالم كله مستمر في طريقه، إلا هو. تشرق الشمس، وتتغير الفصول، ويذهب الناس إلى أعمالهم، ويكبر الأطفال، وتُفتح الأبواب وتُغلق، ويضحك الآخرون. أما هو، فيبقى عند اللحظة التي رحل فيها من أحب.
ربما لهذا يبدو الموت غريبًا إلى هذا الحد.
فالذين نحبهم يرحلون مرة واحدة، لكن غيابهم قد يتكرر فينا مئات المرات.
يقول أحدهم:
"انتهت حياتي منذ أن رحل".
لكن هل انتهت الحياة فعلًا؟
أم أن الذي انتهى هو شكل الحياة الذي اعتدناه؟
وهل فقدان من نحب يعني أننا فقدنا الحق في أن نعيش؟
أم أننا، من شدة تعلقنا بمن رحل، نشعر أحيانًا أن استمرارنا في الحياة يشبه خيانته ؟
تخيل أنك سمعت يومًا عن جزيرة لا تظهر إلا مرة واحدة كل عشر سنوات. جزيرة لا توجد على أي خريطة، ولا يعرف أحد مكانها على وجه اليقين.
لكن هناك شيئًا واحدًا يعرفه الناس عنها:
كل من يصل إليها يجد الشخص الذي فقده حيًا أمامه.
أمك التي رحلت. أبوك. زوجك. زوجتك. ابنك. ابنتك. أخوك. أختك. صديقك.
ذلك الإنسان الذي كنت تقول بعد رحيله:
"لن أستطيع أن أعيش من دونه".
ستجده هناك.
حيًا.
كما كان.
ينظر إليك.
يناديك باسمك.
وربما يفتح لك ذراعيه، كما لو أن الموت لم يمر من هنا يومًا. لكن الجزيرة لا تمنحك هذا اللقاء مجانًا. عندما تصل، يخبرك حارسها أن أمامك خيارين.
الخيار الأول:
سيعود إليك كما كان. ستعيش معه من جديد، وستستيقظ كل صباح لتجده إلى جوارك.
لا موت.
لا مرض.
لا فراق.
لا خوف من أن يأتي يوم آخر وتستيقظ فيه على غيابه. ستحصل على الحياة التي تمنيتها بعد رحيله.
لكن هناك شرطًا واحدًا:
أن تبقى في الجزيرة.
لن تستطيع العودة. لن ترى أمك. لن ترى أباك. لن ترى أبناءك. لن تعود إلى بيتك. لن تلتقي أصدقاءك. لن تكمل عملك. لن تحقق أحلامك. لن ترى السنوات القادمة. ستترك كل من بقي في حياتك، كما تركك هو ذات يوم، وتبقى في الجزيرة معه إلى الأبد.
فهل تختار البقاء؟
قد تقول:
"نعم. لا أريد شيئًا سوى أن أكون معه".
ومن يستطيع أن يلوم قلبًا يقول ذلك؟
لكن دعني أسألك:
هل أنت مستعد لأن تجعل حبك لشخص واحد سببًا في خسارة كل الأشخاص الذين ما زالوا يحبونك؟
هل سألت نفسك ماذا سيحدث لأمك إذا تركتها؟
ماذا سيحدث لأطفالك إن كان لك أبناء؟
ماذا سيحدث لمن يستمد قوته من وجودك؟
وهل من حق من نحبهم أن يطلبوا منا أن نتخلى عن حياتنا كلها من أجلهم؟
والسؤال الأصعب:
لو كان الشخص الذي فقدته يحبك حقًا، فهل سيختار لك الجزيرة؟
هل سيقول:
"اترك الجميع وتعال إليّ"؟
أم سيقول:
"عد إليهم. فأنا أعرف معنى أن تفقد من تحب".
ثم هناك الخيار الثاني.
يمكنك أن تنظر إليه للمرة الأخيرة، وتتركه، وتعود وحدك. ستعود إلى عالمك نفسه، إلى البيت الذي غاب عنه، إلى الكرسي الفارغ، إلى الصور والذكريات، إلى الأماكن التي ما زالت تحمل صوته. ستعود وفي قلبك جرح.
لكن أيضًا ستعود ومعك شيء لا تمنحه الجزيرة:
حياتك.
وهنا ربما يبدأ السؤال الحقيقي.
هل العودة تعني أنك خذلته؟
هل استمرارك في الحياة يعني أنك أحببته أقل؟
هل الضحك بعد موته خيانة؟
هل الحب الحقيقي يقاس بعدد السنوات التي نبقى فيها حزينين؟
إذا توقفت عن حياتك، فهل سيعود؟
وإذا عاقبت نفسك، فمن المستفيد؟
هل سيخفف ذلك ألمك؟
هل سيغير ما حدث؟
أم أنك تضيف إلى الفقد خسارة أخرى؟
دعنا نعود إلى الجملة التي ربما تقولها:
"لا أستطيع العيش بدونه."
ماذا تعني حقًا؟
هل تعني أنك لا تستطيع أن تحبه؟
أم أنك لا تستطيع أن تعيش بالطريقة نفسها التي كنت تعيش بها قبل رحيله؟
أليس هناك فرق كبير بين الأمرين؟
ربما أنت لا تحتاج إلى أن تعود حياتك كما كانت. ربما تحتاج فقط إلى أن تتعلم كيف تعيش حياة جديدة، تحمل فيها حبك له بدل أن تحمل موته.
ثم اسأل نفسك:
هل تريد الشخص الذي فقدته، أم تريد أن يعود الزمن الذي كان فيه موجودًا؟
لأن الزمن لا يعود.
وهذه واحدة من أقسى حقائق الفقد.
نحن لا نبكي الإنسان وحده. نبكي عالمًا كاملًا كان موجودًا عندما كان موجودًا. نبكي صوتًا، وبيتًا، وأيامًا، وأمانًا. ونبكي نسخة من أنفسنا كانت تعيش إلى جواره. ولهذا فإن بعض الحزن الذي نشعر به ليس حزنًا على الراحل وحده، بل حزن على أنفسنا القديمة التي رحلت معه.
لكن هل يجب أن نموت معها؟
إذا كان الإنسان الذي فقدته يحبك، فهل كان سيتمنى أن يراك محطمًا؟
إذا كان أبوك يحبك، هل كان سيرضى أن تنتهي حياتك لأنه انتهى؟
إذا كانت أمك تحبك، هل كانت تريد أن تتحول ذكراها إلى سجن؟
إذا كان زوجك أو زوجتك يحبك، هل كان يريد أن يصبح موته نهاية عمرك؟
وإذا كان ابنك الذي رحل يستطيع أن يراك الآن، هل سيطلب منك أن تتوقف عن الحياة؟
أم أنه، ربما، سيقول لك:
"عش. فأنا لم أكن أريد لك أن تموت معي".
هنا تبدأ المواجهة الحقيقية مع النفس. ليست عندما نطلب من الإنسان أن ينسى، وليس عندما نقول له:
"كن قويًا." ولا عندما نخبره أن الزمن سيشفي كل شيء.
بل عندما نضعه أمام السؤال الذي يخشاه:
ماذا ستفعل بحياتك الآن؟
فالموت أخذ منك شخصًا.
فهل سيأخذ منك حياتك أيضًا؟
هل تسمح للفقد أن يصبح حادثتين بدل حادثة واحدة؟
أن يموت من أحببت..
ثم تموت أنت ببطء؟
ربما ليست المشكلة أن الإنسان لا يستطيع أن ينسى. ربما المشكلة أنه يعتقد أن النسيان هو الطريق الوحيد إلى الشفاء.
لكن هل تحتاج فعلًا إلى أن تنسى كي تستمر؟
هل تستطيع أن تذكره وتبتسم؟
هل تستطيع أن تشتاق إليه دون أن تهدم حياتك؟
هل تستطيع أن تبكيه، ثم تمسح دموعك وتذهب إلى عملك؟
هل تستطيع أن تنجح، وتتزوج، وتحب، وتربي أبناءك، وتضحك، دون أن تشعر أنك تخونه؟
لماذا نعتقد أن الحزن الدائم هو الدليل الوحيد على الوفاء؟
أليس من الممكن أن يكون الوفاء الحقيقي هو أن نحمل أجمل ما تركه فينا ونكمل الطريق؟
أن نكون أكثر رحمة لأننا تعلمنا من فقده معنى الألم؟ أن نكون أكثر قربًا من أهلنا لأننا عرفنا أن وجود الإنسان ليس مضمونًا؟ أن نعيش أحلامنا التي كان يتمنى أن يراها تتحقق؟ أن نفعل الخير باسمه؟ أن نربي أبناءنا على القيم التي أحبها؟
عندها لا يكون الراحل قد اختفى تمامًا. لقد انتقل من حياتنا كحضور إلى حياتنا كأثر.
وهذا ربما هو الشكل الآخر للحب:
أن يغيب الإنسان، ويبقى ما صنعه فيك.
تخيل أنك تقف الآن على شاطئ الجزيرة.
هو أمامك.
يمكنك أن تأخذه معك، لكن عليك أن تنسى أنه مات.
يمكنك أن تبقى معه، لكن عليك أن تنسى حياتك كلها.
ويمكنك أن تتركه، وتعود إلى عالمك، محتفظًا بحبك وذكرياتك.
أي طريق ستختار؟
لا تجبني.
أجب نفسك.
ثم اسأل نفسك سؤالًا آخر:
ما الذي أخشاه أكثر:
أن أفقده، أم أن أعيش بعده؟
وإذا كانت إجابتك:
"أخشى أن أعيش بعده".
فاسأل نفسك:
لماذا؟
هل لأن الحياة بعده بلا معنى؟
أم لأنك لم تكتشف بعد معنى جديدًا لها؟
وهل معنى حياتك كان شخصًا واحدًا فقط؟
أم أن هذا الإنسان كان جزءًا عظيمًا منها، لكنه لم يكن الحياة كلها؟
وهنا ربما نكتشف الحقيقة التي لم نكن نريد مواجهتها:
نحن لا نخون الراحلين عندما نواصل الحياة. فالذين نحبهم لا يحتاجون منا أن نموت معهم. هم يحتاجون أن نحمل أجمل ما تركوه فينا، وأن نجعله حيًا. ولهذا، ربما لم تكن الجزيرة مكانًا يعود إليه الموتى أصلًا. ربما كانت مكانًا يذهب إليه الأحياء الذين لم يستطيعوا الوداع.
لم تكن الجزيرة تمنحهم الراحلين بقدر ما كانت تمنحهم فرصة لمواجهة السؤال الذي هربوا منه طويلًا:
هل تستطيع أن تحب من رحل دون أن تتوقف عن الحياة؟
وربما كان الوداع الحقيقي لا يعني أن تقول:
"لم أعد أحبك."
بل أن تقول:
"سأحبك . لكنني سأكمل الطريق."
فالوداع ليس نهاية الحب. إنه اللحظة التي يتغير فيها شكل الحب؛ من شخص نراه أمامنا، إلى أثر نحمله في داخلنا. وعندما يحدث ذلك، لا يعود الراحل غائبًا تمامًا؛ لأنه يصبح جزءًا من الطريقة التي نمشي بها، ونفكر بها، ونحب بها، ونعيش بها.
وتخيل أنه الآن ينظر إلى حياتك .
فماذا سيرى؟
هل سيكون سعيدًا بما يرى؟
هل سيفرح لأنك تضحك، وتعيش، وتمضي قدمًا، وتحقق أحلامك؟
أم أنك ما زلت تعتقد أن سعادتك بعده خيانة له؟
وعندها .
ربما تختفي الجزيرة .

إرسال تعليق