كنانة خلف الكردي
أظهرت التطورات الحادة التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين أن التهديدات الأمنية لم تعد محصورة داخل الحدود الجغرافية للدول؛ فالأزمات باتت شبكية ومترابطة، وأي اضطراب أمني في قطر عربي سرعان ما يمتد تأثيره إلى سائر الإقليم . وفي قلب هذه المعادلة المعقدة، برزت التدخلات الإقليمية العابرة للحدود كعامل رئيسي في تعقيد الصراعات المحلية وتحويلها إلى أزمات استنزاف طويلة الأمد.
وتطرح هذه الوقائع الميدانية سؤالاً مصيرياً حول كيفية حماية الأمن القومي العربي ومصالح شعوب المنطقة. إن الإجابة تكمن في تجاوز أطر المواجهة الفردية والوصول إلى صياغة رؤية استراتيجية موحدة تتعامل مع مصادر التهديد في مراكز نشأتها قبل تحولها إلى أزمات شاملة؛ إذ أثبتت التجارب أن غياب التنسيق المؤسسي يمنح القوى الإقليمية المتمددة المساحة الكافية للاستثمار في الفراغ السياسي والأمني . وفي هذا السياق، تشير القراءة التحليلية للمقاومة الإيرانية إلى أن القوة المحركة لهذه التدخلات تعود إلى رغبة طهران في تصدير أزماتها الداخلية؛ فكلما تصاعدت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية داخل إيران، يلجأ النظام إلى تغذية الصراعات الخارجية لتقديم نفسه كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه، وهي سياسة أدت بالنتيجة إلى إضعاف فرص الاستقرار ومضاعفة التوترات الإقليمية.
تتطلب الاستراتيجية العربية الشاملة لمواجهة هذه الديناميكية التركيز على المرتكزات التالية:
* المواجهة الأمنية والمالية: تجفيف شبكات التمويل والتسليح غير المشروع للجماعات والميليشيات المسلحة خارج إطار الدولة.
* الغطاء السياسي والمؤسسي: دعم سيادة الدول الوطنية، واستعادة مؤسساتها المعطلة لغلق الثغرات أمام التدخلات الخارجية.
* الأمن التنموي والاستثماري: تعزيز التكادم الاقتصادي العربي وتوفير الفرص للشباب؛ كون التنمية المستدامة هي الجدار الدفاعي الصلب ضد الاستقطاب القائم على الأزمات.
إن مستقبل المنطقة لن يُبنى عبر الصراعات المفتوحة أو فرض سياسات الهيمنة، بل من خلال بناء منظومة أمن إقليمي قائمة على احترام السيادة الوطنية والشراكة المتكافئة، مما يجعل توحيد المواقف العربية حجر الزاوية لحماية استقرار المشرق والخليج وأفريقيا العربية على حد سواء.

إرسال تعليق