الفريق الركن صباح نوري العجيلي
لم تعد الساحة اليمنية شأناً داخلياً محصوراً في حدود الصراع اليمني ، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى الساحات المؤثرة في معادلة الصراع الإقليمي، بفعل الموقع الجغرافي لليمن وقدرة حركة أنصار الله (الحوثيين) الموالية لطهران على توظيف الصواريخ والطائرات المسيّرة وتهديد الملاحة البحرية. وتبرز أهمية الدور الحوثي بصورة خاصة في ارتباطه بالاستراتيجية الإيرانية في المنطقة؛ إذ إن الدعم الإيراني العسكري والتقني للحوثيين، إلى جانب طبيعة العمليات التي نفذوها، أتاح لهم الانتقال من قوة مسلحة تخوض صراعاً داخلياً إلى طرف قادر على التأثير في معادلات الأمن البحري والإقليمي. ومن هذه الزاوية، فإن الدور الحوثي لا يمكن قراءته باعتباره مجموعة من العمليات العسكرية المنفصلة، وإنما بوصفه جزءاً من منظومة ضغط أوسع تستفيد من الجغرافيا اليمنية وموقعها عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
الموقع الجغرافي يرسم أهمية الدور:
تكمن أهمية اليمن أولاً في موقعه الجغرافي، إذ يقع عند نقطة اتصال استراتيجية بين البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر البحر الأحمر وقناة السويس. ومن هنا، فإن امتلاك قوة مسلحة نفوذاً على الساحل الغربي لليمن، وبالقرب من باب المندب، يمنحها قدرة على التأثير في حركة الملاحة ورفع مستوى المخاطر الأمنية أمام السفن التجارية . وقد اكتسب هذا البعد أهمية أكبر مع التطورات الميدانية الأخيرة، ولا سيما السيطرة على مدينة المخا والتقدم إلى مواقع وجزر استراتيجية عند مدخل باب المندب، ومن بينها جزيرة ميون. فالمخا تمثل موقعاً ساحلياً مهماً، بينما تتمتع الجزر الواقعة في منطقة المضيق بأهمية خاصة بحكم إشرافها على الممرات البحرية. وبذلك لم تعد القدرة الحوثية على تهديد الملاحة تعتمد فقط على الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بامتلاك مواقع جغرافية متقدمة يمكن أن توفر عمقاً عملياتياً للمراقبة والاستطلاع وتهديد الحركة البحرية. وهنا تبرز أهمية الانتقال من امتلاك وسيلة تهديد إلى امتلاك موقع جغرافي يدعم هذه الوسيلة، وهو تطور يرفع القيمة الاستراتيجية للدور الحوثي.
المخا والجزر: من الساحل إلى المضيق:
إن السيطرة على المخا والمواقع والجزر القريبة من باب المندب تحمل دلالة عسكرية تتجاوز قيمتها المحلية. فالموقع الساحلي يوفر إمكانية مراقبة الحركة البحرية، بينما تمنح الجزر الواقعة بالقرب من المضيق ميزة جغرافية متقدمة بالنسبة إلى عمليات الاستطلاع والإنذار والتهديد. ولا يعني ذلك أن السيطرة على هذه المواقع تؤدي تلقائياً إلى السيطرة الكاملة على باب المندب، فالمضيق ممر دولي معقد وتتداخل فيه عوامل جغرافية وعسكرية وسياسية متعددة. إلا أن وجود قوة مسلحة ذات قدرات صاروخية ومسيّرة في مواقع قريبة منه يرفع مستوى التهديد ويزيد من صعوبة تأمين الملاحة. ومن هنا يمكن فهم أهمية المخا وميون والجزر والمواقع الساحلية باعتبارها حلقات متصلة في بناء عمق جغرافي للدور الحوثي، وليس مجرد مكاسب ميدانية في الحرب اليمنية.
الدور المرسوم للحوثيين ؛
يمكن قراءة الدور الحوثي في الصراع الإقليمي من خلال مجموعة من الوظائف الاستراتيجية المترابطة.
أولها:
فتح جبهة ضغط جنوبية في أي مواجهة إقليمية واسعة. فبدلاً من بقاء الصراع محصوراً في الخليج العربي ومضيق هرمز، يمتد نطاق الضغط إلى البحر الأحمر وباب المندب، الأمر الذي يفرض على الخصوم توزيع قدراتهم الدفاعية والبحرية على أكثر من مسرح عمليات.
ثانيهما:
تهديد الملاحة البحرية، إذ إن استمرار الهجمات على السفن يرفع كلفة التأمين والحماية ويجبر القوى الدولية والإقليمية على تخصيص قوات ووسائل بحرية وجوية لحماية الممرات والسفن التجارية.
ثالثها :
استنزاف القدرات الدفاعية للخصوم . فالصواريخ والطائرات المسيّرة تمنح الحوثيين وسيلة لإبقاء الخصم في حالة إنذار مستمر، بينما يضطر الطرف المقابل إلى استخدام منظومات دفاعية واستطلاع ومراقبة ذات كلفة مرتفعة.
أما الدور الرابع:
فيتمثل في الضغط على دول المنطقة، ولا سيما المملكة العربية السعودية، من خلال اطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، بما يجعل الساحة اليمنية مصدر تهديد يتجاوز حدودها الجغرافية.
والدور الخامس:
وهو الأوسع من الناحية الاستراتيجية، يتمثل في ربط الجبهة اليمنية بالاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، بحيث تتحول القدرات الحوثية إلى وسيلة ضغط يمكن تفعيلها بالتزامن مع تطورات ساحات أخرى في المنطقة.
من هرمز إلى باب المندب:
إذا كان مضيق هرمز يمثل نقطة الاختناق البحرية الرئيسية في الخليج العربي، فإن باب المندب يمثل نقطة الاختناق الجنوبية للبحر الأحمر . وهنا تظهر قيمة الربط بين المضيقين في الحسابات الاستراتيجية للصراع الإقليمي. فهرمز يؤثر بصورة مباشرة في حركة الطاقة الخارجة من الخليج، بينما يؤثر باب المندب في خطوط الملاحة التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي . ومن ثم، فإن وجود قوة حليفة لإيران تمتلك قدرات صاروخية ومسيّرة وتسيطر على مواقع قريبة من باب المندب يضيف إلى معادلة الضغط الإيراني ورقة جغرافية جديدة. ومن هرمز إلى باب المندب، يتسع نطاق الضغط من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، وتتحول الجغرافيا البحرية إلى عنصر أساسي في إدارة الصراع الإقليمي. ولا يعني ذلك أن إيران تمتلك السيطرة المباشرة على المضيقين، أو أن الحوثيين قادرون بمفردهم على إغلاق باب المندب، وإنما تكمن القيمة في امتلاك القدرة على رفع مستوى التهديد وتعطيل الملاحة أو التأثير في أمنها عند تصاعد الصراع.
الحوثيون كجبهة إقليمية متقدمة
إن أخطر ما في الدور الحوثي ليس امتلاك القدرة على إطلاق الصواريخ أو تهديد السفن بحد ذاته، وإنما إمكانية تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة تأثير في الصراع الإقليمي.
فالموقع اليمني يسمح بربط ثلاث دوائر استراتيجية:
الخليج العربي، والبحر الأحمر، والمحيط الهندي. وتزداد أهمية هذه الجغرافيا عندما تقترن بقدرات صاروخية ومسيّرة وبوجود مواقع ساحلية وجزرية قريبة من باب المندب. ومن هنا يمكن النظر إلى الحوثيين باعتبارهم جبهة متقدمة في جنوب المنطقة، تستطيع عند تصاعد الصراع أن تضيف مسرح عمليات جديداً إلى جانب المسارح التقليدية. وهذا الدور يخدم الأجندة الإيرانية من خلال توسيع نطاق الضغط الجغرافي على الخصوم، وتشتيت قدراتهم، ورفع كلفة حماية الممرات البحرية، وإبقاء أكثر من جبهة قابلة للاشتعال في الوقت نفسه.
البعد الإيراني في الدور الحوثي:
لا يمكن فصل هذا الدور عن العلاقة بين الحوثيين وإيران، سواء من حيث الدعم العسكري والتقني أو الخبرات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة . ولا يعني ذلك أن كل قرار ميداني للحوثيين يصدر بالضرورة من طهران، فالحركة تمتلك حساباتها المحلية وأهدافها الخاصة، إلا أن التقاطع بين القدرات الحوثية والمصالح الاستراتيجية الإيرانية أصبح واضحاً في مجال تهديد الملاحة وتوسيع نطاق الصراع . وتكتسب السيطرة على المخا والمواقع والجزر القريبة من باب المندب أهمية إضافية في هذا السياق، لأنها توفر للحوثيين مجالاً جغرافياً يمكن أن يدعم قدرتهم على تنفيذ هذا الدور. وبذلك تصبح الجغرافيا اليمنية جزءاً من معادلة أوسع: إيران في الخليج عبر هرمز، والحوثيون في جنوب البحر الأحمر عبر باب المندب، مع اختلاف طبيعة السيطرة والقدرات بين الساحتين.
التقييم الاستراتيجي لدور الحوثيين :
أصبح الحوثيون عاملاً مؤثراً في معادلة الأمن الإقليمي نتيجة اجتماع ثلاثة عناصر رئيسية: الموقع الجغرافي، والقدرة الصاروخية والمسيّرة، والقدرة على التأثير في الملاحة البحرية . وقد أظهرت التطورات أن جماعة مسلحة يمكن أن تنتقل من ساحة صراع محلية إلى التأثير في ممر بحري ذي أهمية عالمية، خصوصاً عندما تتوافر لها مواقع ساحلية وجزرية قريبة من منطقة الاختناق البحري. وتكمن أهمية الدور الحوثي بالنسبة إلى الاستراتيجية الإيرانية في قدرته على فتح جبهة ضغط جنوبية، وربط البحر الأحمر بالخليج العربي، وتشتيت قدرات الخصوم، وتهديد خطوط الملاحة الدولية. وعليه، فإن السيطرة على المخا والمواقع والجزر القريبة من باب المندب لا ينبغي النظر إليها باعتبارها تطوراً ميدانياً يمنياً فقط، وإنما باعتبارها تطوراً ذا أبعاد إقليمية، لأنه يعزز قدرة الحوثيين على توظيف الجغرافيا اليمنية لخدمة أهداف تتجاوز حدود الصراع الداخلي.
إن المعادلة الجديدة يمكن اختصارها في أن هرمز يمثل ورقة الضغط البحرية الإيرانية في الشرق، بينما يمكن أن يمثل باب المندب، عبر الحوثيين، ورقة ضغط في الجنوب. ومن هنا تبرز خطورة تحول الممرات البحرية الاستراتيجية إلى ساحات دائمة للصراع، لأن استمرار تهديد الملاحة لا يقتصر أثره على الأطراف المتحاربة، بل يمتد إلى أمن الطاقة والتجارة الدولية والاقتصاد العالمي . ويبقى التحدي الأكبر أمام دول المنطقة والمجتمع الدولي هو منع تحول الممرات البحرية الاستراتيجية إلى ساحات دائمة للصراع ، لأن استمرار تهديد الملاحة لا يقتصر أثره على الأطراف المتحاربة، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والتجارة الدولية.

إرسال تعليق