اليمن مالذي يحدث فيها وماهو الموقف العربي منها ؟

مشاهدات


د. هاني الحديثي

 

تشهد اليمن منذ عقد من الزمن ونيف تغييرات جوهرية بعد الانقسامات الحادة اجتماعيا وسياسيا وامنيا ضاعت معها صورة الدولة لتصبح عمليا دويلات متصارعة وفق أسس إثنية . الرئيس علي عبدالله صالح الذي نجح في توحيد اليمن شمالا وجنوبا يتحمل مسؤولية في التفريط بتلك الوحدة لصالح الصراع على السلطة ومعه صارت اليمن منقسمة بين الحوثيين الذين نجحوا في السيطرة على العاصمة صنعاء وميناء الحديدة ومحافظات اخرى تبعا للتواجد الحوثي فيها وصارت مراكز الدولة الحساسة امنيا واقتصاديا ملك يمين . اليمن الجنوبي وشمال الجنوب انقسم بين جماعات تسعى لاعادة تشكيل اليمن الجنوبي بدعم اماراتي في حين سعت اوساط اخرى للحفاظ على وحدة اليمن بحدوده مع السعودية وصولا إلى عدن العاصمة الثانية وبدعم سعودي . التحالف العربي الذي قادته السعودية ضد الحوثيين لم  يصمد طويلا امام قدرات الحوثيين المدعومة ايرانيا وتخلف الامارات عن الاستمرار معها ليتبين لاحقا دعمها لواجهات اخرى في اليمن . في ضوء ذلك فقدت اليمن ملامح وأسس الدولة وتشرذمت بين اجنحة عديدة الامر الذي مكن الحوثيين المدعومين بقوة من قبل ايران للسيطرة تدريجيا وفرض الهيمنة على سواحل البحر الأحمر حتى وصلوا الآن الى باب المندب الشريان الحيوي للتجارة العالمية مع قناة السويس لم تنجح معه العمليات الجراحية التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد الحوثيين لأشهر عديدة من العمليات العسكرية المركزة .


السؤال الان في ظل هذا المشهد : 

إلى أين ؟

مشكلة اليمن مرتبطة الى حد بعيد بمتغيرات خارجية أبرزها الموقف الأمريكي والموقف الإيراني في ظل مشهد النزاع بينهما على ممرات طرق وسلاسل التجارة والطاقة في مضيق هرمز وباب المندب الامر الذي يتأثر ويؤثر في دوائر صنع القرار لدى بلدان الخليج العربي. الولايات المتحدة سبق لها (وتغاضت) عن سيطرة الحوثيين على ميناء الحديدة ، وبعد جولات من الصراع  تم الاتفاق مع الحوثيين على وقف إطلاق النار مقابل التخلي عن تهديد طريق الملاحة في باب المندب . وقد ترافق ذلك مع تهدئة مؤقتة بين السعودية والحوثيين اثر الاتفاق المبرم  بين السعودية وايران بواسطة الصين . الوضع تغير اثر النزاع القائم بين الأمريكان وايران على مضيق هرمز حيث نجح الإيرانيون في فرض هيمنتهم على المضيق الذي كان مفتوحا قبل ذلك إلا  ان الحرب الأمريكية على ايران دفع ايران لاعتماده وسيلة فعالة في التأثير على نتائج الحرب لاهميته الجيواقتصادية . استمرار السعي الأمريكي في فرض الحصار على ايران بعد الفشل في تحقيق المقاصد المعلنة من قبل ادارة ترامب جعل ايران تتحرك لاثارة مضيق باب المندب ليكون لها الرأي الحاسم في ممرات سلاسل التوريد والاقتصاد العالمي، وقد نجحت ايران ايضا عبر تقدم الحوثيين نحو باب المندب مستثمرين حالات الانشقاقات والاختلافات الخليجية في موقفهم اتجاه قضية اليمن والصراع على السلطة فيها وكل حسب اجندته القطرية بعيدا عن المصالح العامة المشتركة خليجيا واقليميا . بدء المملكة البحث عن ممر آمن لتصدير الطاقة بعيدا عن مضيق هرمز منهج اعتبرته ايران تفريطا بحيوية مضيق هرمز كسلاح تستخدمه في الحرب والذي عبرت عنه بانه اقوى من امتلاك القنبلة النووية وهو المنهج الذي ترافق معه سعي بلدان اخرى مثل قطر والعراق للبحث عن بدائل لتصدير النفط برا وهو الامر الذي تعتبره ايران حربا عليها ، ومن هنا نستطيع تفسير دوافع استهداف الأنبوب النفطي العملاق للسعودية شرق-غرب وهو اول الغيث حين استهدف من داخل الأراضي العراقية عبر فصائل موالية لايران .


هنا نشير ان الحوثيين وفق اعلامهم لهم شراكة استراتيجية مع الفصائل العراقية الموالية لايران تمويلا وقواعد ومكاتب وخطط تدار في طهران  ، وهذا الإعلان الصريح والموثق ينبغي اخذه بنظر الاعتبار في رسم خارطة العلاقات السياسية التي تخدم المصالح الوطنية والإقليمية من قبل السعودية . الولايات المتحدة التي لاترغب بالتقليل من اهمية مضيق هرمز لاعتباراتها الاستراتيجية في الهيمنة على مجمل الخليج العربي والشرق الأوسط ، ليست مرتاحة من طرفها للمنهج السعودي الذي يميل طيلة فترة الحرب الأمريكية -الإيرانية نحو التهدئة مع ايران فضلا عن طبيعة تطور العلاقات السعودية مع الصين وروسيا ودخولها منظمة بريكست رغم انها تعلم ان المملكة تعتمد على الولايات المتحدة في ضمان الامن وهو الضمان الذي اظهر فشلا محبطا للامال الخليجية طيلة الأشهر السبع الماضية من تطور العمليات العسكرية اتجاه ايران والخليج العربي وصولا للأردن . ولا نتغافل هنا عن طبيعة التحالف الدفاعي الذي أقامته السعودية مع تركيا وباكستان (اتفاق مكة) والذي لم يبدي اي رد فعل فاعل اتجاه تعرض المملكة لعمليات عدوانية من قبل الحوثيين عدا إعلانات الشجب والاستنكار ، وربما يشكل تحرك وزير الدفاع الباكستاني مؤخرا على ايران لتمارس الضغط على الحوثيين والمترافق بالتحذير من تفعيل الدفاع المشترك كوسيلة ضغط باكستانية لوقف الاعتداءات الحوثية على المملكة  اول خطوة عملية لايعرف مدى تأثيرها على القرار السياسي الايراني .


تاسيسا على ماتقدم ماهو المنهج الذي يمكن اعتماده لتفادي تطورات اكثر خطورة  خاصة ان ملامح التغيير في خرائط الشرق الاوسط قد بدات بالفعل ويمكن ان تشمل المملكة السعودية ذاتها فضلا عن بلدان المشرق العربي الاخرى. ؟

من حيث المبدأ يبدو لي ان السعودية الان دخلت خارطة التغيير  المقصود لشرق اوسط مختلف عما هو قائم وبالتالي فان استهداف وحدتها الاقليمية يمكن اعتباره خيارا قائما وفق خرائط للشرق الأوسط أعدت واعلنت منذ اكثر من عقدين ونصف من الزمن ،وهنا لابد ان نشير ان تطويق السعودية بمواقف عدائية من قبل الحوثيين والفصائل الولائية في العراق يمكنها بشكل جدي تهديد مركز الاقتصاد السعودي دون ان تتمكن حليفتها الولايات المتحدة من إدراكها وفق ماتاكد من معطيات الأشهر السبعة الماضية ، وهذا يشمل جميع بلدان الخليج العربي ايضا .


لذلك فان الخيارات العملية للمملكة يمكن تشكيلها كالاتي :

المشهد الاول :

سعي سعودي لتشكيل قوة اقليمية رادعة تشمل اغلب بلدان المشرق العربي فضلا عن تركيا وباكستان ،بعبارة اخرى تشكيل قدرة ردع ذاتية .

المشهد الثاني :

الدخول في مسعى سلمي جاد  حواري مع جميع أطراف الصراع اليمنية باتجاه التوصل إلى حل سياسي شامل لقضية اليمن دون الانحياز لصالح طرف ضد آخر وهو امر يخدم اليمن ويخدم الامن الاقليمي الخليجي فضلا عن كونه يحقق مقاصد مهمة للاقتصاد العالمي ويمنح السعودية دورا قائدا تستحقه بجدارة بعد غياب ادوار اخرى فاعلة  عن المسرح سبق لكل من مصر والعراق وان ادوها في عقود مضت وانقضت .

المشهد الثالث : 

الدخول مباشرة في حوار جاد مع ايران لتشكيل منظومة امن اقليمية بعيدا عن المنهج المتذبذب للإدارة الامريكية خاصة ان الإدارة الأمريكية تاكد عجزها عن قصد او بدونه عن تحقيق المقاصد المعلنة والتي لم تؤدي عمليا إلا الى توريط الاصدقاء والحلفاء بسياسات تركت الضرر الكبير على الامن الاقليمي وعلى الاقتصاد العالمي . وهنا نكرر ونؤكد اهمية العودة للمبادرة العمانية في تحقيق اجتماع في صلالة للتوقيع على وثيقة للأمن الخليجي والإقليمي المشترك جميع بلدان الاقليم بحاجة ماسة له وبعيدا عن سياسات الإملاءات الخارجية .


ان هذه المشاهد الثلاث يمكن ان تتداخل ضمن سيناريو واحد هو سيناريو التعاون اقليميا ودوليا ، وحينها ستجد السعودية ان البناء للعلاقات يختلف في نتائجه عن مساعي الهدم للدول ، وانها سوف تتمكن ان تجد أدوات تساعدها في تحقيق هذا السيناريو منها الصين والباكستان وتركيا وغيرها بما يعزز المشهد الإيجابي بدلا من مشاهد الدمار التي يمكن ان نشهدها في المستقبل القريب .


ان ماتقدم لاينبغي ان يجنبنا الخوض في مآلات اخرى تشمل الموقف من السلام في الشرق الأوسط وإمكانية انخراط السعودية فيه بشكل اكثر فاعلية وهو امر مرغوب من القوى المعرقلة لمشاهد التعاون مع ايران واقصد بها تحديدا إسرائيل والولايات المتحدة وذلك لتفادي الانجرار نحو فتح ثغرات مؤذية تفتح سيناريوهات اكثر خطورة .  وعلى اساس ماتقدم يمكن للسعودية كمركز لبلدان التعاون الخليجي ان تشارك في اعادة رسم خرائط الشرق الاوسط باتجاهات إيجابية تشمل ايضا العراق فضلا عن الأردن ومصر وسوريا بدلا من ان ترغم على تقبل خرائط تفرض فرضا لن تكون لصالحها ولا لصالح بلدان المشرق العربي . 

تعليقات

أحدث أقدم