مشاهدات
صباح الزهيري
في أصبوحةٍ رقيقة ثقافية مميزة أثثتها نغمات الشجن , استضاف ملتقى مقهى أبو رقية الأستاذ عبد المطلب العزاوي حيث أطلّ فيها بموضوع يلامس الوجدان تحت عنوان :
الأغنية بين القديم والحديث ,
وليتلو علينا
مقامة الغناء , ويبحر في مقارنةٍ شجية بين الأغنية بين القديم والحديث , ولأن الشوق للموضوع كان غامراً , فقد جاء حديثه عذباً شاملاً على عمومه , إلا أن سوط الوقت وحكم الملتقى أجبره على الإيجاز والاقتضاب , في مقامٍ كان يقتضي الإطناب والاسترسال ليرتوي منه الحاضرون , وقد أتحفنا الأستاذ بأصبوحة ممتعة , وحقيقة الأمر أن الباحث غطى أبعاد الموضوع ببراعة , لكنّ عتبنا الوحيد كان على الوقت , إذ داهمنا الملتقى بحدوده الزمنية ليأتي الحديث قصيراً يوجع الشغف , بينما كان المأمول والمنتظر إطنابٌ يغوص في تفاصيل هذا الفن , والغناء حشيشتُنَا الْمُنْتقاةُ , رسائلنا الى مستوطني القلوب , سيّارةُ إسْعافٍ تُنْقذُنَا منَ السّكْتةِ الدّماغيّةِ وحسرة المستحيل , عصير القلوْبٍ التي تحبُّ الْحياةَ , الا ولّيْتُ وجْهِي صوْبَ الغناء لِأموتَ شعْراً , فلْنحب الغناء مَا اسْتطعْنا, ونحن نعرف ان المغنين يتْبعُهُمُ الْغاوونَ , والمغنيات هنَّ الْغوايةُ .
يقول أحد أباطرة الطغيان في قديم الزمان :
عندما يكف الشعب عن الغناء أعرف أنني قد أحكمت قبضتي عليه ,
والغناء هنا يمتد الى كل ضروب الابداع , فالشاعر يصنع أغنيته بالكلمات , والراقص يرسم أغنيته بجسده , والرسام بريشته , وكذا المسرحي والسينمائي والروائي , كل يصنع أغنيته بطريقته , فما الذي يفعله الابداع في حياة البشر؟
انه يصنع الفرح ويبعث الامل ويدافع عن الجمال ضد القبح ويحرض على الحياة ,
لذا يبغضه الطغاة في كل زمان ومكان , إنهم لا يستطيعون أن يحكموا شعبا , الا اذا عاش عيشة الطحالب , حياته لا تعرف الالوان ولا الفرح ولا التفاؤل , قانع وراض ومستسلم . لا يمكن تتبّع مسار الحضارات البشرية دون أن نلمح خيطًا موسيقيًا يمتد في أعماقها , فالموسيقى لم تولد كلعبة ترفيهية ولا كزينة جانبية للحياة , بل جاءت مبكرًا بوصفها إحدى أولى الوسائل التي اهتدى إليها الإنسان ليشرح للعالم ما يشعر به , إن تجاهل هذا التاريخ الطويل , هو تجاهل لطبيعة الإنسان نفسها وللدور العاطفي والثقافي الذي حملته الموسيقى عبر العصور .
أزعم ان جانبا من حيوية الشعب العراقي التي تدفقت في ثورات متتالية , يعود الى ان فنون الموسيقى والغناء والرقص والشعر والسينما أصبحت جزءا من نسيجه المجتمعي , وكلها عناصر تقاوم شيخوخة الشعوب وتحرضها على التمسك بالحياة والتمتع بمباهجها ,
والحديث هنا ليس عن المدن وحدها , إنما يمتد الى أبعد القرى في الريف وأكثرها فقرا وأمية , لكنها ظلت على امتداد تاريخ طويل تغني وتصنع الشعر وتصغي الى قصص الأساطير وترقص بلا إحساس بالحرج , بل ان ظاهرة فريدة تنتشر هناك وهي ما تدعى بالانشاد الديني , وهو غناء مدائحي , لكنه تطريبي بامتياز , وكان من يقود فرق الانشاد الدراويش , فترى واحدهم يؤم الصلاة في النهار وينطلق في المساء حاملا دفه الضخم ليقيم لأهل القرية حفل إنشاد ديني .
لا توجد قوة على وجه الارض تستطيع أن توقف المبدع عن الابداع , إذ مازال الشعراء يكتبون الشعر والموسيقيون يصنعون أغنياتهم والتشكيليون يرسمون لوحاتهم والمسرحيون يبذلون المستحيل كي لا يموت المسرح على هذه الارض , لكن هناك قوى تستطيع أن تصنع مصدات تمنع وصول النتاج الابداعي الى الناس , فتعزله داخل دائرته الضيقة , بعدها يمكن للمغني ان يشدو بأغنية لا يستمع لها غيره , تلك اللعبة الخبيثة تريد أن تنزع عن الحياة الوانها البهيجة فتنشر في النفوس الكآبة والاحباط واليأس , لقد انطفأ الغناء في أجزاء عديدة من عراق مابعد 2003 , وبات الرسم والنحت محرما ورسمت للشعر حدود لا ينبغي تجاوزها وترك الناس بلا اسلحة يدافعون بها عن هويتهم ونمط حياتهم , قاوموا بالابداع , فانه من أكثر أدوات التحريض على الحياة فاعلية .
كتب فلاح المشعل تحت عنوان موت البنفسج :
لقد مرت عدة سنوات دون قدرة الساحة الموسيقية العراقية على تقديم أغنية واحدة راقية مترعة بالعذوبة والجمال والصدق الفني , سواءً كانت عاطفية أم وطنية , وإذا سلمنا بما يقوله الفلاسفة وعلماء الجمال بأن الموسيقى والغناء ترجمة للحالة الثقافية والحضارية ومدى فاعلية الوعي الاجتماعي وثرائه الفني وانعكاسه في إبداعات الشعراء والموسيقيين , فهذا يعني أننا نحيا بلا ثقافة ولا قيم جمالية أو أدبية معبرة عن روح الشعب ومسرح انفعالاتها , سنوات طوال لم نسمع سوى نقيق الضفادع , وتلك السخافات المبتذلة التي يسمونها أغاني عاطفية , أو نواح يرافق إطلاق النار في أصوات فجة وكلمات لأقزام (( الشو..عراء )) تسمى وطنية أو حربية , لكنها تكرس الخيبة , وتحفز على الانكسار , ولنا الحق ان ننكر هذه النفايات التي تدعى أغاني.
حين استمع لأغاني أشقائنا المصريين وهم ينشدون لمصر, ويقاومون التخلف - الإخواني - بالأغاني التي تغازل النيل والأهرامات وأمجاد تاريخ البلاد وأهلها , وحين يسخرون من الفساد ببلادهم بأغنية احترامي للحرامي لآمال ماهر , أشعر أن المؤسسة الثقافية والفنية المصرية ما زالت متجانسة مع شعب يتساءل ببسالة ومروءة , وتغذيه بأسباب الرفعة والإحساس بالأمل والثقة بالمستقبل , مؤسسة لم يحرثها الإسلام السياسي كما يحدث في بلادنا المستباحة للجهل والأمية , ان شح الأغاني وفسادها يبدو مترابطا جدليا مع تصحر الواقع الثقافي وفساد المؤسسة الثقافية وانهيارها , ولأن الأغاني ترتبط بالشعب ومشاعر الناس المتلونة فهي قادرة على التعبير خارج أسوار المؤسسة الحكومية , لكن هذا لم يحصل في البلاد , باستثناء يثير العجب؟
شعب بلا أغاني يعني أنه يعيش ظاهرة انفصام الشخصية , وخصوصا شعب العراق , فالعراق أول من غنى في التاريخ الإنساني , اسألوا صفحات التاريخ ودولة سومر, وتلك الأناشيد التي تغازل جلجامش وصديقه أنكيدو , كانت لنا أغاني مثل
ما هو منا يا شعبنا
ولاحت رؤوس الحراب
ونحن الشباب لنا الغد
وتكبر فرحتي بعيني
وسلامة ياوطن
وعراق الكرامة
والشمس شمسي والعراق عراقي
وغيرها كثير ممن تجعل الأنفاس تحتبس ويرتفع ضغط الشرف الوطني عند من يسمعها . أما الأغاني العاطفية فلنا فيها نهر ثالث يمتد من ليل الناصرية وأنين داخل حسن وحضيري أبو عزيز وخضير حسن ناصرية وناصر حكيم , يحملون تحت عباءاتهم
نشوة الهيوه الصاعدة من البصرة ,
نهرا تغذيه الروافد كلما يمر بمدينة عراقية , فيحمل نجواها ولوعة روحها ونشيجها , حتى يفيض ببغداد , ويغرقها بحلاوة الإحساس الذي جعلها أكثر مدن الوجود رقة وبهاءً , ويزاحمك الأسى الشفيف حين تبلغ ذروة ذلك الغناء الجميل في سبعينات وثمانيات الجمال العراقي الدافق بالعذوبة وطاقات مشاعر لا تنتهي.
الآن غادرنا زمن
غريبة الروح
وحن وآنة أحن ,
انقرض عصر
البنفسج
ومضى رياض أحمد برحلة نعي على إيقاع
مرة ومرة
ولم يزل فاضل عواد
يحصي كطرات النده , وينتظر موعد مرور
الريل على السدة ,
لنسمع الشاعر الكبير سعدي يوسف يقول :
كل الأغاني انتهت ,
إلا أغاني الناس ,
والصوت لو يشترى ,
ماتشتريه الناس ,
ومن هذا الصوت الذي لا يُشترى , ومن رحيق تلك الأغاني التي لا تنتهي , نتقدم بآيات الشكر والامتنان والتقدير العالي للأستاذ عبد المطلب العزاوي , الذي نفض في أصبوحته الغبار عن أوتار قلوبنا , وأعاد ببحثه الرصين وطرحه الراقي تسليط الضوء على هويتنا التي يحاول الجهل طمسها , شكراً له لأنه فتح نافذة للضوء والجمال في زمن النقيق , وشكراً لملتقى مقهى أبو رقية الذي يصر على أن يبقى حاضنة للوعي والفكر , ولتظل مقامة الغناء شاهداً على أن شعباً يمتد عمقه إلى سومر , لن يكفّ يوماً عن ترتيل لغة الحياة .

إرسال تعليق