الفريق الركن صباح نوري العجيلي
طال أمد الحرب الروسية–الأوكرانية، التي اندلعت في شباط 2022 ،على نحو لم يكن متوقعًا، ودخلت في مراحل استنزاف بشري وعسكري متواصل، الأمر الذي دفع روسيا إلى توسيع دائرة التجنيد لتشمل عراقيين وعرب واجانب، ولا سيما من دول تعاني البطالة وضعف فرص العمل. وفي هذا السياق، برزت مشاركة عراقيين في القتال إلى جانب القوات الروسية، وسط تقارير وتقديرات تتحدث عن التحاق نحو 5000 شاب عراقي بالحرب، بعضهم بعقود عسكرية رسمية، وبعضهم الآخر عبر وسطاء وسماسرة استغلوا حاجة الشباب إلى العمل ورغبتهم في الهجرة بحثًا عن مستقبل أفضل. وتكمن خطورة الظاهرة في أن بعض الشباب قد لا يكون قد غادر العراق بنية القتال أصلًا، وإنما سافر بحثًا عن العمل أو الدراسة أو الهجرة، ثم وجد نفسه أمام عروض للالتحاق بالقوات الروسية. وتشير تقارير إلى وجود شبكات وسطاء تتولى استقطاب الشباب مقابل مكافآت مالية عن كل شخص يتم تجنيده، فيما تُعرض رواتب أعلى لمن يرسلون إلى مناطق القتال. ولا تقتصر الظاهرة على العراقيين، فقد شملت مواطنين من دول عربية وأفريقية، إضافة إلى بعض الطلبة والمقيمين في روسيا. وهو ما يعكس تحول القوة البشرية الأجنبية إلى أحد مصادر التعويض عن الخسائر والاحتياجات المتزايدة في الحرب.
هل هم مرتزقة ؟
هنا تبرز المسألة القانونية الأهم. فليس كل أجنبي يقاتل مقابل راتب يُعد مرتزقًا تلقائيًا. فالقانون الدولي يضع شروطًا محددة لاكتساب هذه الصفة، من بينها التجنيد خصيصًا للقتال، والمشاركة المباشرة في الأعمال العدائية، وأن يكون الدافع الأساسي تحقيق مكسب مادي، وأن يحصل المقاتل على مقابل يفوق ما يحصل عليه أفراد القوات المسلحة في ظروف مماثلة، إلى جانب شروط أخرى. لذلك فإن العراقي الذي يوقع عقدًا رسميًا مع القوات المسلحة الروسية ويصبح عضوًا فيها لا يُعد بالضرورة مرتزقًا لمجرد كونه أجنبيًا ويتقاضى راتبًا. أما من جرى تجنيده عبر جهة خاصة للقتال لقاء المال، وتوافرت بحقه الشروط القانونية الأخرى، فقد تنطبق عليه صفة المرتزق. وهذا التمييز مهم جدًا عند وقوع المقاتل في الأسر. فإذا كان عضوًا في القوات المسلحة الروسية، فإن الأصل أن يتمتع بالحماية المقررة لأسرى الحرب. أما إذا ثبتت عليه صفة المرتزق وفق المعايير القانونية، فإنه لا يتمتع بصفة المقاتل أو أسير الحرب، مع بقائه مشمولًا بالحد الأدنى من الحماية الإنسانية وضمانات المحاكمة العادلة. وقد وقع بعض العراقيين في الأسر لدى القوات الأوكرانية، بينما قتل آخرون وعادوا إلى العراق جثامين، في حين بقيت مصائر آخرين غير معروفة. وهنا تتحول القضية من مجرد مشاركة أفراد في حرب خارجية إلى قضية إنسانية ووطنية تستحق المتابعة.
مسؤولية الدولة :
إن أخطر ما تكشفه هذه الظاهرة هو إمكانية تحول البطالة والهجرة وحاجة الشباب إلى المال إلى أدوات لتجنيدهم في حروب الآخرين. ولذلك فإن مسؤولية الدولة العراقية لا ينبغي أن تقتصر على متابعة من ذهبوا إلى القتال، بل تمتد إلى ملاحقة شبكات التجنيد والوسطاء الذين يستغلون الشباب، والتوعية بمخاطر العقود العسكرية الأجنبية، ومعالجة الأسباب الاقتصادية التي تجعل بعض الشباب عرضة للاستدراج . إن قضية العراقيين الذين يقاتلون في الحرب الروسية–الأوكرانية ليست مجرد قصة مقاتلين أجانب؛ إنها صورة من صور اقتصاد الحرب، حيث تتحول حاجة الإنسان إلى فرصة تستثمرها شبكات التجنيد، وقد يتحول الحلم بحياة أفضل إلى طريق يقود صاحبه إلى الجبهة. ولا ينبغي ان يقتصر معالجة الظاهرة على الجانب الأمني والقانوني؛ فالجذر الأعمق لها يتمثل في البطالة وضعف فرص العمل والهجرة غير النظامية. وكلما ضاقت الخيارات أمام الشباب، ازدادت قدرة السماسرة على إغرائهم بعروض مالية تبدو في ظاهرها فرصة للخلاص، لكنها قد تنتهي بهم إلى ساحات القتال.
الخلاصة :
إن قصة العراقيين الذين يقاتلون في الحرب الروسية–الأوكرانية تكشف ظاهرة تتجاوز حدود الحرب نفسها، وتضع أمامنا ثلاثة أوضاع مختلفة للمقاتل الأجنبي:
جندي أجنبي بعقد رسمي،
ومتطوع اختار القتال بإرادته،
ومرتزق يستوفي شروطًا قانونية محددة.
والفصل بين هذه الحالات ليس مسألة لغوية، بل يترتب عليه وضع قانوني مختلف، ولا سيما عند الوقوع في الأسر. أما القضية العراقية ، فإن جوهرها يكمن في السؤال الأكبر:
هل ذهب هؤلاء الشباب إلى الحرب اختيارًا، أم دفعتهم البطالة والهجرة وشبكات السماسرة إليها؟
فإذا كان بعضهم قد اختار طريق الجبهة بحثًا عن المال، فإن آخرين قد يكونون ضحايا للاستدراج واستغلال الحاجة الاقتصادية. ويبقى السؤال الأكثر أهمية:
إذا وقع المقاتل العراقي في الأسر لدى القوات الأوكرانية، فهل يعامل كأسير حرب أم كمرتزق؟
والإجابة لا تتحدد بجنسيته أو بمجرد حصوله على راتب، وإنما وفق طبيعة العقد الذي أبرمه مع الجيش الروسي.

إرسال تعليق