الفريق الركن صباح نوري العجيلي
ليس في تاريخ الأمم أيامٌ عابرة، فثمة تواريخ تتجاوز حدود الزمن لتغدو محطات فاصلة في مسيرة الشعوب، تُقاس بها التضحيات، وتُستحضر فيها بطولات الرجال، وتُستخلص منها الدروس والعبر. ويأتي الثامن من آب عام 1988 في مقدمة تلك المحطات في التاريخ العسكري العراقي، إذ شهد هذا اليوم وضع نهاية للحرب العراقية–الإيرانية بعد ثماني سنوات متواصلة من القتال، لتُسدل الستارة على واحدة من أطول وأعنف الحروب التقليدية في القرن العشرين. لأن الأمم تُقاس بعراقة مؤسساتها الوطنية، فإن الجيش العراقي يمثل إحدى أعرق مؤسسات الدولة وأهمها، إذ تأسس في السادس من كانون الثاني عام 1921 على أسس وطنية ومهنية راسخة، فكان منذ ولادته عنواناً للسيادة، وسياجاً للوطن، ورمزاً لوحدته، واستقلاله. وعلى امتداد أكثر من قرن، لم يكن الجيش العراقي مجرد تشكيل عسكري، بل مؤسسة وطنية صنعت تقاليدها القتالية ومدرستها العسكرية الخاصة، وتراكمت لديها خبرات واسعة عبر حروب ومعارك وتحديات خاضتها على المستويين الوطني والقومي. وقد أسهمت تلك التجارب في صقل كفاءة قياداته ومقاتليه، وترسيخ مكانته بوصفه أحد أبرز الجيوش العربية التي امتلكت خبرة ميدانية واسعة وإرثاً عسكرياً راسخاً.
كانت تلك الحرب اختباراً قاسياً لقدرة الدولة العراقية وشعبها وقواتها المسلحة على الصمود في مواجهة صراع استنزف الطاقات البشرية والاقتصادية والعسكرية على امتداد جبهة تجاوزت الألف كيلومتر. وخلال تلك السنوات، لم تكن المعركة مجرد مواجهة بالسلاح، بل كانت امتحاناً للإرادة والقيادة والانضباط والقدرة على إدارة حرب طويلة الأمد في ظروف معقدة ومتغيرة . خاضت القوات المسلحة العراقية الحرب بكل صنوفها؛ البرية والقوة الجوية والقوة البحرية، ومعها تشكيلات الإسناد والخدمات، فقدم الجميع نموذجاً في أداء الواجب العسكري وتحمل المسؤولية الوطنية. ولم يكن النصر ثمرة معركة واحدة أو عملية منفردة، بل كان حصيلة آلاف المعارك والعمليات، وسنوات طويلة من الصبر والثبات والتضحية. قدم العراق التضحيات الغالية في تلك الحرب، وارتوت أرضه بدماء عشرات الآلاف من الشهداء الذين أدوا واجبهم بإيمان راسخ ، كما عاد آلاف الجرحى يحملون أوسمة التضحية على أجسادهم، فيما بقي المفقودون والأسرى صفحة مؤلمة في ذاكرة الوطن . ومن هنا، فإن ذكرى الثامن من آب ليست مناسبة للاحتفال بقدر ما هي وقفة وفاء وإجلال لأولئك الرجال الذين بذلوا أغلى ما يملكون دفاعاً عن وطنهم. لقد أثبتت الحرب حقيقة عسكرية لا تقبل الجدل، وهي أن الحروب الطويلة لا تُحسم بالتفوق العددي وحده، ولا بالشعارات السياسية، وإنما تُحسم بقدرة الدولة على تنظيم مواردها، وكفاءة قياداتها، وصلابة قواتها المسلحة، وتماسك جبهتها الداخلية. كما أكدت أن الإرادة الوطنية، عندما تقترن بالتخطيط العسكري السليم والانضباط القتالي، تصبح عاملاً حاسماً في تحقيق الأهداف الاستراتيجية . لم يكن الثامن من آب مجرد نهاية للعمليات العسكرية، بل كان بداية لمرحلة جديدة استوجبت إعادة بناء القوات، ومعالجة آثار الحرب، واستخلاص الدروس من تجربة عسكرية امتدت ثماني سنوات، حفلت بالنجاحات والإخفاقات على حد سواء. فالجيوش المحترفة لا تكتفي بتسجيل الوقائع، بل تحول تجاربها إلى عقيدة عسكرية ومعرفة مؤسسية تستفيد منها الأجيال اللاحقة.
واليوم، وبعد ثمانية وثلاثين عاماً، تبقى تلك الذكرى جزءاً أصيلاً من تاريخ المؤسسة العسكرية العراقية الباسلة، تستحق أن تُقرأ بعين الباحث لا بعاطفة الجدل، وأن تُدرس بمنهجية علمية تستخلص الحقائق بعيداً عن المواقف السياسية المتباينة. فالتاريخ العسكري ملك للأمة، والإنصاف يقتضي أن تُنسب البطولات إلى أصحابها، وأن يُخلَّد ذكر من أدوا واجبهم العسكري بشرف وإخلاص، بصرف النظر عن التحولات السياسية التي أعقبت تلك المرحلة . إن الأمم الحية لا تمحو صفحات تاريخها، بل تعيد قراءتها بوعي، وتحفظ تضحيات رجالها لأنها تشكل ركائز الهوية الوطنية وذاكرة الدولة. والجندي الذي وقف في خندق النار، والطيار الذي حلق في سماء المعركة، والبحار الذي رابط في مياه الخليج، ورجل الدفاع الجوي الذي تصدى للهجمات، جميعهم كانوا يؤدون القسم العسكري الذي أقسموا عليه، ويستحقون أن يبقوا في سجل الشرف الوطني. وفي الذكرى الثامنة والثلاثين للثامن من آب والذي اسماه العراق بيوم النصر العظيم، لابد من وقفة إجلال وإكبار أمام أرواح الشهداء، وتحية خالصة للمقاتلين الذين حملوا أمانة الدفاع عن العراق في أصعب الظروف، ونؤكد أن الوفاء للمؤسسة العسكرية يبدأ بحفظ تاريخها وصون تضحياتها ونقل دروسها إلى الأجيال القادمة. فالأوطان تُبنى بالذاكرة كما تُحمى بالسلاح، والجيوش العريقة تستمد قوتها من احترام تاريخها، والاعتزاز برجالها، والإيمان بأن التضحية في سبيل الوطن تبقى أسمى مراتب الشرف.
سيبقى يوم النصر العظيم شاهداً في الذاكرة العسكرية العراقية على مرحلة جسّدت صلابة الجيش العراقي وكفاءة قيادته، ورسّخت معنى التضحية، وأكدت أن الدفاع عن الوطن سيبقى دائماً أسمى الواجبات ، وأن الشرف العسكري يظل خالداً ما بقي الوطن.

إرسال تعليق