مقامة فراشة الوعي المرّ: قراءة في محطة المندلاوي الفكرية

مشاهدات



صباح الزهيري


هل علينا المندلاوي الجميل في محطة استراحته بالنص التالي :

لحظة قوة ام لحظة ضعف ؟

كالفراشة حين تحوم حول النار ,
ابحث عن قدري فلم يعد في العمر
متسع للندم ولا للمساومة ,
فقد صرت اتقيأ حين اسمع نائبا او حاكما
يفتح صناديق الوعود ,
وصرت اشعر بالجلال امام مغنية
- قد تكون - لكنها تطعم الفقراء ,
سرور يا حبيبتي ,
انتحر الصوم كما انتحرت الصلاة
عند الذين ركبوا جمل السياسة في بلادي ,
لذا نشيع احلام المتعبين فانهم صاروا يرحمون علنا جلادنا القديم ,
فطوبى لشعبنا العظيم ؟

هذه محطة فكرية وليست مجرد كلمات , بل دفقة وجدانية مشحونة بمرارة الوعي , وصيحة احتجاج مغلفة بشاعرية حزينة , تجمع بين الفلسفة الوجودية والنقد السياسي والاجتماعي اللاذع , وتبدأ بسؤال جوهري ومحير , وجوابه يكمن في ثنايا الكلمات ذاتها , إنها لحظة قوة تتجلبب برداء الضعف , أو هي

قوة الانكسار الصادق .

يتجلى وجه الضعف الظاهري , في التعب , والشعور بنفاذ الوقت لم يعد في العمر متسع للندم ولا للمساومة , حيث يعكس الطواف كالفراشة حول النار رغبة انتحارية في البحث عن الحقيقة أو القدر , حتى لو كان في ذلك الاحتراق , ويكمن وجه القوة الحقيقي في الرفض المطلق والتطهر الذاتي , القدرة على التقيؤ تأنفاً من زيف الحكام , والجرأة على إعادة ترتيب القيم الإنسانية بعيداً عن الأطر التقليدية المعطلة , وهي منتهى القوة والصلابة الفكرية , فالضعيف يساوم , أما القوي فهو الذي يواجه حقيقته وعمره بكل تجرد.

في نص المندلاوي رموز ومفارقات , عندما نفككها نجد الفراشة والنار , وهو رمز أزلي للبحث عن المطلق والقدر , الفراشة لا تملك ترف الوقت للندم , تنجذب للنور- النار- مدفوعة بوعي باطني بأن الوجود الحقيقي يكمن في خوض التجربة حتى نهايتها , بلا مساومات , ثم المغنية والسياسي انقلاب الموازين الأخلاقية , هنا يضع النص مفارقة صارخة وصادمة لكنها حقيقية جداً
صرت اشعر بالجلال امام مغنية
- قد تكون - لكنها تطعم الفقراء سرور مقابل :
نائب او حاكم يفتح صناديق الوعود ,
هذا الانقلاب يعكس نضجاً إنسانياً يقدّم الأثر الفعلي والرحمة الملموسة على الشعارات الجوفاء ,
المغنية التي قد يراها المجتمع التقليدي في مرتبة أدنى ,
تكتسب الجلال لأنها تمنح الفقراء سروراً حقيقياً وسداً للجوع , بينما صناديق الوعود السياسية لا تنتج سوى السراب .

رموز أخرى ,
انتحار الصوم والصلاة على جمل السياسة ,

هذه الصورة البلاغية قوية وعميقة جداً , عندما تُركب العبادات والمقدسات جمل السياسة في إشارة ذكية لتوظيف الدين ميكافيلياً للوصول إلى السلطة , فإنها تفقد روحها وجوهرها الأخلاقي وتنحر نفسها بنفسها , السياسة هنا تفسد طهرانية العبادة وتحولها إلى أداة تدليس , ثم رمز تأبين الأحلام والمفارقة التاريخية الصادمة , نشيع احلام المتعبين فانهم صاروا يرحمون علنا جلادنا القديم , وصول المتعبين - الشعب - إلى مرحلة الترحم على الجلاد القديم ليس حباً في الاستبداد السابق , بل هو مؤشر على شدة وطأة وقسوة البؤس الحالي , عندما يصبح الحاضر مشوهاً إلى حد يُنسي الناس آلام الماضي , فهذا إعلان عن موت المستقبل وتشييع للأحلام.

ينتهي النص بعبارة تهكمية موجعة ومغموسة بالدموع :

فطوبى لشعبنا العظيم ؟؟؟؟

هذه الطوبى المحملة بعلامات الاستفهام والتعجب هي صرخة ألم على شعب يملك كل مقومات العظمة , لكنه أُرهق حتى باتت أقصى أمانيه المقارنة بين جلاد وجلاد , وتبددت أحلامه بين وعود كاذبة وسياسات مشوهة , وأذا أردنا اختصارهذه الاستراحة فأنها ليست ضعفاً , بل هي محاكمة أخلاقية وتاريخية صارمة يكتبها قلم عرك الحياة وخبر تقلبات السياسة والمجتمع , واختار في النهاية أن ينحاز للإنسان البسيط , وللفعل الصادق حتى لو جاء من مغنية , على حساب الزيف المقدس والوعود السلطوية الجوفاء , انه نص مليء بالشجن , لكنه ينبض بوعي حاد ولا يساوم.

تعليقات

أحدث أقدم