واشنطن أم طهران: من يستنزف من؟

مشاهدات

    

     


الفريق الركن صباح نوري العجيلي

 

- تمهيد :

 تمثل العلاقات الامريكية – الإيرانية واحدة من أكثر العلاقات الدولية تعقيداً واستمراراً في حالة الصراع منذ قيام الثورة على نظام الشاه في إيران عام 1979. وعلى الرغم من تعدد جولات التفاوض والتفاهم بين الطرفين، فإن الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني، والقدرات الصاروخية، والنفوذ الإقليمي، أبقت العلاقة في حالة مواجهة مفتوحة تتخذ في كثير من الأحيان شكل حرب استنزاف سياسية واقتصادية وأمنية. وتثير هذه المواجهة سؤالاً استراتيجياً مهماً: هل نجحت واشنطن في استنزاف إيران، أم أن طهران تمكنت من استنزاف الولايات المتحدة وحلفائها على مدى العقود الماضية.


1- مفهوم الاستنزاف في الفكر الاستراتيجي: 

 يقصد بحرب الاستنزاف توظيف أدوات عسكرية وسياسية واقتصادية ونفسية بصورة متواصلة لإضعاف الخصم تدريجياً وتكبده خسائر مادية كبيرة واضعاف معنوياته وصولا الى حالة الانهيار، ورفع كلفة المواجهة عليه،ودفعه إلى تغيير سلوكه أو تقديم تنازلات دون اللجوء إلى حرب شاملة. ويعتمد هذا النمط من الصراع على عامل الزمن والقدرة على تحمل الضغوط أكثر من تحقيق انتصار عسكري سريع. وتعد حرب الاستنزاف مقياسا لرصد قدرة طرفي الصراع على تحمل مواجهة غير محسومة تمتد فترة طويلة من دون افاق واضحة للنصر او الهزيمة.


 2- أهداف واشنطن من سياسة الاستنزاف تجاه إيران: 

- إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، وخاصة البرنامج النووي والصاروخي.

- استنزاف الاقتصاد الإيراني من خلال العقوبات والعزل المالي.

- تقليص النفوذ الإقليمي الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

- دفع إيران إلى قبول اتفاق جديد بشروط أمريكية أكثر تشدداً.

- منع طهران من التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة في الخليج والشرق الأوسط.

- تعزيز الردع الأمريكي وطمأنة الحلفاء الإقليميين.



3-  أدوات طهران في استنزاف الولايات المتحدة وحلفائها: 

- تبني استراتيجية الصبر الاستراتيجي والنفس الطويل.

- استخدام الوكلاء والشركاء الإقليميين ضمن مفهوم "وحدة الساحات".

- تهديد أمن الملاحة والطاقة في الخليج ومضيق هرمز.

- توظيف الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة.

- استهداف القواعد والمصالح الأمريكية بصورة غير مباشرة.

- استثمار الحرب الإعلامية والسيبرانية وحملات التأثير السياسي.

- استغلال الانقسامات داخل المعسكر الغربي وارتفاع كلفة الالتزامات الأمريكية.


4-  كلفة الاستنزاف على الطرفين سياسياً وعسكرياً واقتصادياً: 

 - على إيران : 

-  تراجع اقتصادي نتيجة العقوبات وانخفاض الاستثمارات.

- ضغوط اجتماعية وارتفاع معدلات التضخم والبطالة.

- استنزاف القدرات العسكرية والبنية التحتية.

- تزايد الضغوط الداخلية على النظام السياسي.


- على الولايات المتحدة وحلفائها: 

- ارتفاع تكاليف الانتشار العسكري في المنطقة.

-  تهديد أمن الطاقة وحرية الملاحة.

-  تعرض القواعد والمصالح الأمريكية لهجمات متكررة.

- تزايد التباين بين الحلفاء بشأن إدارة الأزمة.

-  تآكل الردع الأمريكي إذا عجزت واشنطن عن حسم الصراع.


5- الخيارات المفتوحة بين الطرفين: 

الأول: خيار التسوية السياسية:

يتجه الطرفان إلى تفاهمات جزئية أو اتفاق شامل يحد من البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات وضمان أمن الملاحة والطاقة.


الثاني : خيار المواجهة الأوسع:

يؤدي تراكم عمليات الاستنزاف إلى خطأ في الحسابات أو حادث كبير يقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة تتجاوز حدود الصراع الحالي.


الثالث: خيار استمرار الصراع منخفض الحدة:

وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً، حيث تستمر سياسة " اللا حرب واللا سلم"، وتتواصل الضربات المحدودة والضغوط الاقتصادية وحروب الوكلاء دون انزلاق إلى حرب شاملة.


-  الخلاصة :

إن السؤال: « واشنطن أم طهران: من يستنزف من؟» لا يمكن الإجابة عنه بمنطق المنتصر والمهزوم، لأن طبيعة الصراع بين الطرفين أفرزت نمطاً فريداً من الاستنزاف المتبادل غير الحاسم. فالولايات المتحدة تمتلك تفوقاً عسكرياً واقتصادياً كبيرا يمكّنها من فرض العقوبات،وإدارة الحصار، وإلحاق أضرار كبيرة بالقدرات الإيرانية، لكنها في المقابل تواجه كلفة متزايدة تتمثل في استمرار الوجود العسكري في المنطقة، وتهديد أمن الطاقة والملاحة، وتآكل الردع، وتزايد الأعباء على حلفائها.

أما إيران، فرغم ما تكبدته من خسائر اقتصادية وعسكرية وضغوط داخلية، فقد نجحت في تحويل عناصر ضعفها إلى أدوات استنزاف فعالة من خلال الجغرافيا الاستراتيجية،ووكلائها الإقليميين، وقدراتها الصاروخية والمسيّرة، وقدرتها على تهديد المصالح الأمريكية بصورة غير مباشرة ورفع كلفة أي مواجهة طويلة الأمد.  وعليه، فإن معادلة الصراع الراهنة تشير إلى أن واشنطن تستنزف قدرات إيران الاقتصادية والعسكرية، فيما تستنزف طهران الإرادة السياسية الأمريكية وقدرتها على تحمل أعباء الانخراط الطويل في الشرق الأوسط. ومن ثم،فإن الطرف الذي سيحسم هذه المعادلة ليس من يمتلك القوة الأكبر، بل من يملك النفس الأطول والقدرة الأعلى على إدارة الكلفة والصمود الاستراتيجي.

وفي ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن المنطقة تتجه نحو استمرار نموذج «اللا حرب واللاسلم»، حيث تبقى سياسة الاستنزاف المتبادل هي الإطار الحاكم للعلاقات الأمريكية–الإيرانية، مع بقاء احتمالات الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة قائمة كلما ارتفع مستوى التصعيد أو حدث خطأ في الحسابات الاستراتيجية للطرفين.

تعليقات

أحدث أقدم