بين خيمة الروح ومدينة العقل

مشاهدات



سحر النصراوي


أحيانًا يخطر ببالي أنني مزيج متجانس ومتناقض في آن واحد؛ مزيج من البداوة والتمدّن. وكأن في داخلي بدويًة لم تغادر الصحراء قط، وإن سكنت المدن وتعلّمت لغتها، وفي داخلي أيضًا إنسانة مدنيًة صاغها مولدها ، نشأتها ، تعليمها ، تجاربها وأسئلة الوعي . لذلك يراودني سؤال بسيط في ظاهره، عميق في جوهره ، هل يتجاوز الإنسان بداوته بالتمدّن، أم أنه يحملها معه في صورة أكثر تعقيدًا وخفاءً ؟

حين أتأمل نفسي فكريًا، أجدني أميل إلى التحليل والتفكير المنهجي، وأبحث عن المعاني خلف الظواهر . لكنني أكتشف في الوقت نفسه أن كثيرًا من قناعاتي الأولى لم تولد من البرهان، بل من حدس عتيق يشبه ذلك الذي كان يهدي البدوي في الفلاة قبل الخرائط والنظريات. فالعقل يبني، لكنه لا يبدأ البناء من فراغ ، إذ تسبقه دائمًا فطرة قديمة تسكن الأعماق . صحيح أنني اجتماعيًا، أعيش ضمن منظومة من القوانين والأعراف والاعتبارات المدنية التي تنظم العلاقات بين الناس. غير أنني أجد في داخلي نزوعًا بسيطًا وصريحًا إلى الصدق المباشر، وإلى الروابط الإنسانية التي لا تحتاج إلى كثير من البروتوكولات. وكثيرًا ما أشعر أن الإنسان، مهما بلغت درجة تمدّنه، يظل يبحث عن القبيلة بأشكال جديدة .. في أصدقائه، أو محيطه المهني، أو دوائره الفكرية ، تتغير الأسماء، لكن الحاجة إلى الانتماء تبقى هي ذاتها . أما عاطفيًا، فتبدو المفارقة أكثر وضوحًا. فالتمدّن يمنحنا مفردات واسعة لفهم مشاعرنا وتفسيرها، لكنه لا يبدد طبيعتها الأولى . فما يزال الحب يأتي بغتة، وما يزال الحنين يقتحم القلب دون استئذان، وما تزال الخيبة تؤلم رغم كل ما نملكه من وعي وخبرة. كأن العاطفة تحتفظ بجذورها البدوية حتى وهي ترتدي ثياب المدينة.

لعل ما أعيشه ليس صراعًا بين البداوة والتمدّن، بقدر ما هو حوار دائم بين أصل الإنسان وصورته المتطورة .. فالبداوة هنا ليست نمط عيش فحسب، بل رمز للعفوية والفطرة والوضوح الأول، بينما يمثل التمدّن تراكم التجربة وصقل الوعي وتعقيد الرؤية ، و لا أرى أحدهما نقيضًا مطلقًا للآخر، فالتمدّن لا يمحو البداوة، وإنما يمنحها أشكالًا جديدة للتعبير عن نفسها . لهذا أميل إلى الاعتقاد أن الإنسان لا ينتقل تمامًا من البداوة إلى التمدّن، بل يعيش بينهما. يحمل في روحه خيمة لا يريد هدمها، ويبني بعقله مدينة لا يستطيع الاستغناء عنها. ولربما تكمن إنسانيته الحقيقية في قدرته على التوفيق بين الاثنين .. يظل وفيًا لبساطته الأولى، دون أن يتخلى عن عمق التجربة التي منحها له العمر والحضارة . نحن، في النهاية إذا، لسنا بدوًا خالصين ولا مدنيين خالصين، بل ذلك الجسر الخفي الممتد بين خيمة الروح ومدينة العقل.


تعليقات

أحدث أقدم