أنا ودبي وجورج الاسكندراني

مشاهدات


د. محمود خالد المسافر


احتجت أن أغادر إلى دبي في سفرة سريعة لقضاء حاجة مهمة استدعت ان اقضي سويعات قصيرة فيها لأعود بعدها إلى الدوحة . لم اتعود أن ازور دبي زيارة قصيرة. فهي لا تقبل زيارتك القصيرة لأنها مدينة كبيرة وجذابة، ولا زال فيها الكثير من الاشياء التي لم افهمها بعد، ولم تنفعني عشرات الزيارات منذ ثلاثة وعشرين عاما لكي افهمها. ولكن كانت هذه الزيارة مميزة، فقد وجدت فيها ما كنت ابحث عنه، ولكن كان عليّ العودة سريعا الى الدوحة بسبب التزامات لم استطع التخلص منها أو تأجيلها .

كانت رحلة الطائرة اسرع مما كان مخطط لها، فقد استمرت أربعين دقيقة فقط كانت فيها مضيفات شركة فلاي دبي يتسابقن وكأنهن خلية نحل . وقد كانت هذه اسرع رحلة طائرة خضتها في حياتي، فهي اسرع من الرحلات الداخلية التي كنت أقوم بها في ماليزيا بين العاصمة كوالالمبور وولاية ترينغانوا التي تبعد 550 كيلومترا عن العاصمة والتي كنت اعمل فيها مديرا لفرع جامعة UCSI الماليزية . نزلت في مطار دبي وأسرعت إلى البوابة ابحث عن سيارة أجرة توصلني إلى مقصدي. اوصلني مسؤول تأجير السيارات إلى سيارة معينة، صعدت السيارة وسألت السائق مباشرة هل تقبل الكريدت كارد، فأجابني بسرعة وبلهجة مصرية "من غير فلوس"، فقلت له إذا توكل على الله.

بادرني بالقول انت عراقي عيني؟

محاولا أن يتلطف معي وهذه عادة المصريين الجميلة فقلت له نعم عيوني، فقال عيني اجمل وأشمل من عيوني، جاملته وقل له حاضر عيني. عرّف نفسه لي وقال أنا جورج، أجبته اهلا جورج وانا محمود . من اي المدن المصرية انت يا جورج؟ أجابني من الاسكندرية . وبيني وبين الإسكندرية قصة ساحكيها في مقال آخر. تغنى جورج بحبه للامارات وتحديدا دبي، ولم أر ذلك غريبا فقد عاش جورج في الامارات سبعة وعشرين عاما، وترزق من خيراتها ولم ير منها ولا من أهلها الا كل خير. لذلك فمن واجب الوفاء أن يحبها. ولكن أجمل ما قاله جورج هو أنه احب الامارات لمدة خمسة وعشرين عاما ثم سكت،

فقلت له وماذا حصل في السنتين الأخيرتين؟

فأجابني جورج في السنتين الأخيرتين انتابتني مشاعر مختلفة،

وما هي تلك المشاعر يا جورج؟

قال بدأت أحس أن دبي أصبحت تحبني. اووو هنا اختلفت الأمور . لأنك يمكن أن تحب مدينة أو تكرهها، ولكن أن تحبك المدينة هذا أمر آخر حيرني به جورج الاسكندراني . ذكر لي جورج أنه خريج كلية التجارة جامعة الإسكندرية ولكن لم استطع أن اتقبلها بسهولة ، فبادرته أنني اقتصادي، فتحدثنا عن مشتركات التخصص وعن بعض المواد الدراسية التي أخذها في الجامعة على يد أساتذة اقتصاد إجلاء ومحترمين مثل الاقتصاد الكلي على يد الدكتور عبدالرحمن يسري. وهو اقتصادي معروف وله صولات مهمة في علم الاقتصاد. فزالت شكوكي واطمئن قلبي لجورج، ثم طلبت منه أن يبقى معي إلى أن يعيدني للمطار بعد أن انتهي من المهمة التي اتيت من أجلها. أكملت مهمتي بنجاح فأردت أن أكرمه فعرضت عليه ان نتغدى في مطعم عراقي فوافق أن يوصلني إلى هناك وعرض أن ينتظرني في الخارج لانه لا يستطيع أن يدخل معي إلى المطعم لانه يلبس الملابس الرسمية لسواق التاكسي في دبي. ظننت أنه غير مسموح لهم أن يدخلوا الاماكن العامة بملابس العمل، وبوصفي عراقي فقد استعجلت انتقاد السلطات في دبي على هذا القرار، ولكن تبين لي أنه يرفض ذلك لأنه يخاف أن يخجلني ذلك، وأنه ليس السلطات في دبي اي دخل بهذا الموضوع. قلت له لن أدخل يا جورج إلى المطعم حتى تدخل معي. شرب معي جورج شوربة العدس العراقية التي تذكرني بعلاوي الحلة ببغداد الحبيبة وتلك قصة أخرى مليئة بالاحداث. أكلنا أنا وجورج الباچة العراقية والكباب العراقي الاصيل الذي لا يُعلى عليه في مطعم كباب اربيل في شارع المرقبات وهو من اوائل الشوارع التي تعرفت عليها في دبي قبل أكثر من عقدين من الزمن. تحدثنا أنا وجورج خلال رحلتنا القصيرة عن أمور كثيرة، كرة القدم، والحضارة الفرعونية، واللغة العربية، واللهجة العامية المصرية، والأكل العراقي المميز، والسينما المصرية، والغربة، وبر الوالدين، ودور المرأة. حدثني جورج عن رحلته الطويلة في دبي وحدثني عن أسباب وقوعه في حبها. لم يبق موضوع تحدثنا به إلا واتفقنا في نهاياته حتى لو اختلفنا في بداياته. قال جورج بعض الكلمات التي لا زالت ترن في اذني. قال نحن العرب ينبغي أن نفتخر بأن خلقنا الله عربا. وقال إن من احلى الكلمات إلى قلبي هي كلمة "حاضر"، ويحب جورج أن يقولها لإمه ولإبنائه ولزوجته ولأصدقائه ولزبائنه.

لم يطلب مني جورج بخشيشا، بل رفضه بعد ان عرضته عليه وقال انك دعوتني على الغداء وهذا كرم وفضل كبير فقلت له نحن العراقيين نؤمن أن من يقبل ان ياكل معنا سيكون صاحب فضل علينا، فأنت يا جورج صاحب الفضل عليّ لانك قبلت دعوتي وقبلت برفقتي لثلاث ساعات. التقيت أنا وجورج قدرا في محطة سيارات الأجرة في مطار دبي، ولكننا تواعدنا وداع الاصدقاء. ونحن نودع بعضنا انطلقت دمعات متسرعة من أعيننا، لا اعرف ماذا تعني ولكن اتذكر ما قاله جورج لي وهو يتركني على بوابة المطار، سنلتقي مرة أخرى باذن الله وستجدني.

تعليقات

أحدث أقدم