الفريق الركن صباح نوري العجيلي
تمهيد: فرضت الحرب الأمريكية - الإسرائيلية مع إيران واقعاً استراتيجياً جديداً في الشرق الأوسط، وأعادت فتح النقاش حول مستقبل ميزان القوى الإقليمي. فمع تعرض جزء مهم من القدرات العسكرية الإيرانية لضغوط كبيرة، برز سؤال جوهري:
من هي القوة الإقليمية الأكثر قدرة على تعزيز معادلة الردع خلال المرحلة المقبلة ؟
وفي خضم هذه التحولات، تتجه الأنظار إلى تركيا التي نجحت خلال العقدين الماضيين في بناء قوة عسكرية وصناعية متنامية، جعلتها أحد أبرز اللاعبين المؤثرين في البيئة الأمنية الإقليمية.
أولاً: تركيا دولة تمتلك مقومات القوة الشاملة.
تستند القوة التركية إلى مجموعة من المقومات الجيوسياسية والاقتصادية والديموغرافية. فموقعها الجغرافي يربط قارتي آسيا وأوروبا، ويمنحها سيطرة استراتيجية على المضائق البحرية، فضلاً عن امتلاكها قاعدة سكانية كبيرة واقتصاداً متنوعاً وقاعدة صناعية متطورة. كما تتمتع بعضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتمتلك أحد أكبر الجيوش في الحلف، يتميز بخبرة عملياتية واسعة اكتسبها من مشاركاته في عدد من الساحات الإقليمية.
ثانياً: الصناعات الدفاعية أساس قوة الردع :
لم يعد حجم الجيش وحده هو معيار القوة العسكرية، بل أصبحت التكنولوجيا والإنتاج العسكري المحلي هما العنصر الحاسم في بناء الردع . وقد نجحت تركيا في الانتقال من دولة تعتمد على استيراد السلاح إلى دولة تنتج منظومات دفاعية متطورة تشمل الطائرات المسيرة، والمدرعات، والسفن الحربية، والصواريخ، وأنظمة الحرب الإلكترونية والرادارات. وكانت الطائرات المسيرة التركية، وفي مقدمتها بيرقدار TB2، علامة فارقة في تطور الصناعة العسكرية التركية، بعدما أثبتت كفاءتها في عدة نزاعات، وأسهمت في تعزيز صادرات الصناعات الدفاعية التركية إلى أكثر من أربعين دولة، الأمر الذي وفر مورداً اقتصادياً مهماً، ورسخ مكانة تركيا ضمن الدول المنتجة للتكنولوجيا العسكرية.
ثالثاً: النظام السياسي صانع الردع:
لا يمكن تفسير النهضة العسكرية التركية بعيداً عن طبيعة النظام السياسي الذي تبنى مشروعاً استراتيجياً طويل الأمد لبناء الاستقلال الدفاعي. فقد أدركت القيادة التركية أن امتلاك قرار سياسي مستقل يتطلب امتلاك قاعدة صناعية وطنية قادرة على إنتاج السلاح والتكنولوجيا، بعيداً عن الضغوط التي قد ترافق الاعتماد على الموردين الأجانب . ولذلك، جرى توجيه استثمارات كبيرة نحو البحث العلمي، وتشجيع الشركات الوطنية، وتعزيز التعاون بين الجامعات ومؤسسات الصناعات الدفاعية، حتى أصبحت الصناعات العسكرية جزءاً من مشروع التنمية الوطنية، وليست مجرد قطاع مرتبط بالمؤسسة العسكرية. وهذا يبرز حقيقة مهمة مفادها أن الردع يبدأ من الإرادة السياسية قبل أن يبدأ من امتلاك السلاح.
رابعاً : هل ينتقل مركز الثقل العسكري إلى الأناضول؟
من أبرز النتائج غير المباشرة للحرب الأخيرة أنها فتحت الباب أمام إعادة توزيع مراكز القوة في الشرق الأوسط . وإذا كانت منطقة الخليج قد شكلت خلال العقود الماضية محوراً رئيساً للتوازنات العسكرية بسبب الثقل النفطي والإنفاق الدفاعي الكبير، فإن تركيا تمتلك اليوم مقومات تجعلها مركزاً متنامياً لإنتاج القوة العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية. ولا يعني ذلك انتقال الثقل السياسي أو الاقتصادي بالكامل من الخليج إلى الأناضول، وإنما بروز تركيا بوصفها مركزاً متقدماً للصناعة العسكرية والابتكار الدفاعي، وهو تحول قد يمنحها دوراً أكبر في رسم معادلات الردع الإقليمي خلال السنوات المقبلة.
خامساً: حدود القوة التركية :
رغم هذا الصعود، فإن الدور التركي يظل محكوماً بجملة من الاعتبارات . فتركيا عضو في حلف الناتو، وترتبط بعلاقات متشابكة مع الولايات المتحدة وأوروبا، كما أن سياستها الخارجية تقوم على موازنة دقيقة بين المنافسة والتعاون مع القوى الإقليمية. لذلك، فإن قوة الردع التركية لا تعني بالضرورة التوجه إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل، بل تعني امتلاك قدرات تجعل أي ترتيبات أمنية في الشرق الأوسط تأخذ المصالح التركية في الحسبان.
الخاتمة:
تكشف التجربة التركية أن بناء الردع لا يتحقق بشراء الأسلحة وحدها، وإنما يبدأ بوجود نظام سياسي يمتلك رؤية استراتيجية، واقتصاد منتج، وقاعدة صناعية وطنية، واستثمار مستدام في البحث العلمي والتكنولوجيا. ومن هذا المنطلق، فإن الصعود التركي يمثل أحد أهم التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط في العقد الحالي. ويبقى مستقبل هذا الدور مرهوناً بقدرة أنقرة على مواصلة تطوير صناعاتها الدفاعية، والحفاظ على استقلال قرارها الاستراتيجي، وإدارة علاقاتها الدولية بكفاءة . وإذا نجحت في ذلك، فقد تصبح تركيا أحد الأعمدة الرئيسة في منظومة الردع الإقليمي، ليس بديلاً عن أي قوة أخرى، وإنما شريكاً أساسياً في تشكيل ميزان القوى الجديد في الشرق الأوسط.

إرسال تعليق