مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ الوَطَن

مشاهدات



صباح الزهيري 


يقول ابراهيم البهرزي :
الحكاية توشك على الانتهاء كما يبدو , لا ترج ُ من بارح مطر ,

وهو مَثَلٌ شعبي عراقي شهير من أمثلة جنوبنا الخالد , ولا يُتداول إلا بالأرياف سواء كان بالفرات الأوسط أو بمناطق الأهوار , فهم خبراء بالطبيعة وتقلباتها وغالباً ما يُلفظ :
تترجى من بارح مطر؟

يُضرب لوصف استحالة الحصول على نتيجة أو منفعة من شخص لا يملكها , والبَارِح هي ريح صيفية جافة وحارة , وغالباً ما تكون محملة بالغبار , والدلالة في قول البهرزي كما أنه من المستحيل أن يهطل المطر من غيوم البارح الصيفية ,

فإنه من العبث أيضاً أن تطلب حاجة أو مساعدة وتنتظرها من شخص بخيل أو عديم المروءة والشهامة , ويستخدم هذا المثل عادةً في سياق النقد والتوبيخ , أو للتحذير من الاعتماد على من لا يُرجى منه خير , أو عند طلب المعروف من غير أهله .


يعرف العراقيون ان الأمثال هي حصيلة تجربة شعب أو مجتمع تُصاغ على شكل شعر أوحكاية أوحكمة ليُستفاد منها في مقبل الأيام , ولتكون نبراسا يُهتدى به في مكارم الاخلاق , ويبدو ان صاحبنا البهرزي اراد أن يوثق هذا المثل قبل أن يطاله النسيان وتدرسه الأيام كما إندرست قبله أمثالا لم تجد من يوثقها , وكما تقول الحكمة المعروفة فاقد الشيء لا يعطيه , ويقال ان الخائن لا يؤتمن , يأتي المثل الشعبي :

لا ترجه من بارح مطر ,

ويقول مثل اخر
ودع البزون شحمه ,

هذه الامثال والحكم وغيرها اجدها تنطبق تمام الانطباق على مايحدث من أستعراضات ومداهمات للمنطقة الخضراء منطقة القبح والفساد والمحاصصة والرشا والتآمر , طاولة النهب والتغاضي , والثراء الفاحش لطرف مقابل الفقر المدقع للآخر .

كيف نتوقع من صانع المشكلة أن يكون هو حلها ؟

ولماذا صنعها أساساً ؟

إننا لا نتحدث عن نزاع عشائري بسيط , بل عن دماء وأموال ومصير بلد ضيعه هؤلاء بافتعالهم الأزمات ,

فهل يُعقل أن يُطلب من المتسبب بالجريمة الكبرى أن يحاسب نفسه ؟

وهو نفسه أحد رياح سموم البارح الذي يزعمون أنه سيمطر ويغيثكم , بينما هم وأحزابهم شلة من العتاوي المتقاتلين على شحمة العراق , التي أُودعت لدى زمرة النهابين بفتاوى ارتجالية.

لقد نجح البهرزي في توظيف الجغرافيا والطقس العراقي لخدمة الموقف السياسي , فالبارح ليس مجرد ريح حارة , بل هو منظومة مناخية طاردة للمطر , وإسقاط هذا المثل على الحملات المزعومة لمكافحة الفساد يوضح عقم المنظومة من أساسها , فالطبقة السياسية التي تأسست بعد عام 2003 بُنيت على أساس المحاصصة واقتسام مغانم الدولة , وصدور قرار بمكافحة الفساد من داخل هذه المنظومة هو تناقض بنيوي , لأن حيتان الفساد هم أنفسهم حماة النظام السياسي.

لا تخرج الحملات الحالية أو السابقة عن كونها بروباغندا دعاية سياسية أو أداة لتقليم الأظافر , وليست إرادة حقيقية للإصلاح , وذلك لعدة أسباب كالحصانة الحزبية والميلشياوية فالرؤوس الكبيرة تمتلك أجنحة مسلحة , وامتدادات إقليمية , ونفوذاً مالياً يجعلها فوق القانون , أي محاولة للاقتراب منها تعني تهديد السلم الأهلي أو تقويض النظام السياسي من أساسه , كما ان الفساد كعقد اجتماعي وسياسي أضحى في العراق ليس انحرافاً فردياً , بل هو سستم نظام تشغيلي للدولة , فالوظائف , والمشاريع , والعقود , وحتى المناصب السيادية تُباع وتُشترى ضمن بورصة المحاصصة , والحقيقة تُستخدم هذه الحملات كمخدر موضعي للشارع المنتفض أو الغاضب من سوء الخدمات والبطالة , لإيهام الناس بأن هناك حراكاً يجري , حتى تموت القضية بالتقادم أو بالتسويات الخلفية.

إذا كان البارح لا يُمطر , فإن حاميها حراميها وهذه الحملات غالباً ما تُدار من قبل لجان تشكلها المحاصصة نفسها ,

فكيف يُطلب من اللص أن يضع القيد في يده ؟

وينطبق على هذه الحملات أيضاً المثل :

صعد السبع , نزل السبع , خط الموت لونه أحمر

دلالة على بقاء الجوهر الفاسد مهما تغيرت الوجوه واللجان , والحملات التي لا تطال الرؤوس الكبيرة تُسمى في العلوم السياسية بالعدالة الانتقائية , حيث يُستخدم القانون كسلاح لمعاقبة الخارجين عن اتفاق الإخوة الأعداء أو لابتزاز الأطراف الأضعف في المعادلة السياسية , بينما تظل الرؤوس الكبيرة في مأمن تحت مظلة التوافقية .

وبينما تضج شاشات التلفزة ببيانات النزاهة وصليل القيود في أيدي صغار الكسبة والوظيفة , تقبع الرؤوس الكبيرة في قصورها بالمنطقة الخضراء , تحتسي نخب التوافق وتتبادل الابتسامات خلف الكواليس , لقد قسّموا شحمة الوطن , وتركوا للشعب الرماد والعواصف الترابية , فمن يطلب الإصلاح من عين الفساد , كمن يطلب شفاء العليل من السم الزعاف , نعم , استحالة يعزف العود بلايه وتر , واستحالة يبنى الوطن والباغي هو الحَكَم . لا تُمثّل الرؤوس الكبيرة في العراق أشخاصاً بحد ذاتهم , بل تُمثّل شبكات مصالح عابرة للمؤسسات , فالفساد في القمة ليس مجرد سرقة مال عام , بل هو عقد شفهي غير مكتوب بين قادة الكتل الكبرى يُسمى في الأدبيات السياسية بالتوازن الحرج حيث تمتلك كل جهة ملفات تدين الجهة الأخرى , والاقتراب من أي رأس كبير يعني تفعيل نظرية أحجار الدومينو وسقوط الجميع , لذلك , فإن أي حملة لمكافحة الفساد تُحدّد سلفاً خطوطها الحمراء :

احمِ رأسي , أحمِ رأسك .


هذا المثل الذي ينبض بالمرارة والواقعية يقدم تشخيصاً سوسيولوجياً وسياسياً دقيقاً للوضع العراقي , إنهم يعدوننا بربيع دائم وهم يبذرون في الأرض ملحاً ,

كيف يستقيم الظل والعود أعوج ؟

وكيف يرتجى من البارح مطر وهو الذي جفف الأهوار , وأحرق الزرع , وأعمى العيون بالغبار ؟

إن من يترقب صلاحاً من طاولة المحاصصة كمن ينتظر أن تلد الذئاب غنماً , وستبقى الشحمة بيد العتاوي ما دام الميزان بيد القاضي الذي عيّنه الحزب , وما دام السيف بيد الفصيل الذي يموله الفاسد , فاعلم يا هذا , وتيقّن , لا ترجى من بارح مطر , ولا ترجى من شجر ميت أي ثمر , واستحالة يعزف العود بلايه وتر , واستحالة تلتئم جروح العراق وجلادها هو الطبيب والمداوي .

تعليقات

أحدث أقدم