مشاهدات
صباح الزهيري
الحلمنتيشي : هو فن أدبي وشعري فكاهي ساخر يمزج بين اللغة العربية الفصحى واللهجة العامية , مع الالتزام بقواعد الوزن والقافية , يهدف عادةً إلى نقد الأوضاع الاجتماعية والسياسية بأسلوب هزلي , وقد ابتكر هذا الفن في أوائل القرن العشرين الشاعر حسين شفيق المصري , ويُعزى اسم حلمنتيش إلى فرقة كانت تعرض هذا النوع من الفكاهة , أو هو مصطلح منحوت من حلا من تيشي , النتش الحلو أو الفشر , ومن أشهر رواده الذي عارض المعلقات بقصائد سماها المشعلقات , وقد لمعت أيضاً أسماء مثل بيرم التونسي , أحمد قنديل وشوقي أبو ناجي وعبد العليم القباني و مصطفى رجب , ومن المعاصرين ياسر قطامش وعمرو قطامش .
يعتبرالشعر الحلمنتيشي نوعا من الشعر المعاصر , يمزج فيه الشاعر بين الفصحى والعامية , ويعتمد على الفكاهة والسخرية وينتشر في مصر والسودان , ومن خصائص هذا الشعر المعارضة الشعرية , حيث يقوم على معارضة قصائد التراث العربي المعروفة ولكن بشكل مقلوب ومضحك , والمفارقة باستخدام ألفاظ فصحى رصينة في سياق كوميدي مع إدراج كلمات عامية أو أجنبية , والهدف هو التنفيس عن هموم المجتمع , محاربة الفساد , ومناقشة قضايا الحياة اليومية . إنَّ تهجين اللغة العربية الفصيحة مع اللهجة العامية , جعل هذا الأدب مميزا من خلال تشكيله واستخدام التنوين ووصله مع ضمائر الفصحى وأدواتها وإبقائه على لفظها العادي , فالموضوع في القصيدة الفصيحة يطغى عليها طابع الصناعة اللغوية الفصحى , أما في الأدب الحلمنتيشي فالقصيدة تؤدي غايتها مهما كان هدفها , لكن في إطار جاد وكلماتها معبرة لجعل النص أكثر جدية في زمن أصبحت فيه السخرية جزءا من الحياة اليومية التي لا يمكن أن يمر يوم بلا سخرية , ولا يُمكن اعتبار الشعر الحلمنتيشي خارجا عن الضرورة في زمن ظهوره وتطوره , ويعتبر جزءًا من الحياة اليومية في ظرف أصبحت فيها السخرية اليومية جزءًا من الحياة التي لا يمكن أن تمر بلا سخرية , باعتبارها تنتمي إلى الفئة البسيطة والهامشية.
يعد تحويل مفهوم الشعر الحلمنتيشي وتطبيقه على أدب ما بعد غزو العراق عام 2003 مقاربة نقدية ذكية جداً , فالبيئة العراقية بعد عام 2003 , بما شهدته من مفارقات سياسية , واجتماعية , وتردٍّ في الخدمات , وظهور طبقة سياسية هجينة , شكّلت أرضاً خصبة جداً للسخرية السوداء , وهي الجوهر الحقيقي للحلمنتيشية ولكن بثوب عراقي مأساوي , وإذا كان الشعر الحلمنتيشي قد انطلق في أوائل القرن العشرين بمصر والسودان كفنٍ فكاهي يمزج الفصحى بالعامية لمعارضة المعلقات ونقد المجتمع , فإن هذا الفن قد شهد إزاحة دلالية ووظيفية كبرى عند سحبه على المشهد الأدبي العراقي بعد عام 2003 , لم يعد الحلمنتيشي في العراق مجرد تفكيك مضحك للتراث , بل تحول إلى أداة تشريح سياسي واجتماعي لاذع , يعكس حجم المفارقة الصادمة بين شعارات الديمقراطية والتحرير وواقع المحاصصة والفساد والانفلات الأمني . نرى ذلك جلياً في هذا النموذج :
بَانَتْ سُعَادُ فَإِفْسَادِي وَإِيفَادِي
وَقَدْ رَكِبْتُ جِكْسَاراً بِلَا هَادِي ,
قَالُوا التَّقَشُّفُ قَدْ حَلَّتْ عَقَارِبُهُ
فَقُلْتُ: مَهْلاً , فَمَا تَعْطِيلُ أَمْجَادِي؟
أَنَا المُوَظَّفُ فِي الخَضْرَاءِ مَرْتَبَتِي
وَالكَوْسَجُ العُودُ فِي تَعْيِينِ أَوْلَادِي ,
لَا تَعْذِلِينِي فَإِنَّ المَالَ مُقْتَسَمٌ بَيْنَ الكُتَلْ ,
وَالمَعَاشُ اليَوْمَ بِالضَّادِ
هنا يقوم الشاعر بمعارضة القصيدة التراثية الشهيرة , لكنه يسقطها على مسؤول عراقي نال منصباً بعد الغزو , ويمزج فصحى التراث بمصطلحات المعاملات والسيارات الحديثة , والمفارقة الحلمنتيشية هنا استخدام البنية الكلاسيكية لقصيدة كعب بن زهير , وإقحام كلمات مثل جكسارة/جكسار , المنطقة الخضراء , الكوسج - للإشارة للحوت الكبير أو الحامية , والتلاعب بلفظة الكتل السياسية والمعاش .
وفي نموذج آخر يجسد مأساة الخدمات والكهرباء عبر معارضة المتنبي في الشكوى :
أَرَقٌ عَلَى أَرَقٍ وَمِلْيُونُ (أَمْبِيرْ)
وَالحَرُّ يَشْوِي رَعَايَا ذَلِكَ المِيرْ ,
بُعِثَ (المُوَلِّدُ) فِي الحَيِّ لَنَا مَلِكاً
يُطْفِىءْ وَيُشْعِلُ فِي وَقْتِ التَّصَاوِيرْ ,
نَامَتْ خُطُوبِي وَلَمْ تَنَمْ صَاعِقَةٌ
تَقْطَعْ (سِلِكاً) فَنَبْكِي كَالعَصَافِيرْ ,
يَا أَيُّهَا الوَطَنُ المَسْكُوبُ فِي قَدَحٍ
هَلْ لِلْمُكَيِّفِ بَعْدَ اليَوْمِ تَدْوِيرْ؟ ,
هذه معارضة المتنبي في الشكوى مأساة الخدمات والكهرباء , في هذا النموذج , يتم استعارة كبرياء المتنبي وأنفته الفصيحة , وصبها في قالب مضحك ومبكي يعالج أزمة المولدات الأهلية والأمبيرات في حر الصيف القائض , والمفارقة الحلمنتيشية في تحويل مطلع المتنبي الغزلي الفلسفي أرق على أرق ومثلي يأرق إلى شكوى بنيوية لغوية مريرة عن الأمبير وسلك المولد , مع الحفاظ على التشكيل والتنوين الفصيح لإكساب المعاناة اليومية البسيطة هيبة ملحمية ساخرة . لقد تميز الأدب الحلمنتيشي العراقي بتوليد لغة هجينة تمزج بين رصانة الفصحى لغة الخطابات السياسية الرسمية والبيانات والمحطات الفضائية وبين العامية العراقية الدارجة المليئة بالوجع واليوميات , فضلاً عن إقحام مصطلحات أجنبية دخلت مع الغزو مثل :
بريمر ,
الحواسم ,
المنطقة الخضراء ,
السيطرات ,
الجكسارة
....الخ ,
هذا التمازج يخلق مفارقة لغوية تُسقط الهيبة عن الخطاب السلطوي , وبدلاً من معارضة المعلقات الجاهلية بغرض الفكاهة المحضة , عارض الشعراء العراقيون قصائد المديح الفخمة وقصائد الانتماء القومي الكلاسيكية , ليعيدوا إنتاجها في سياق كوميدي باهت يصف طوابير البنزين , وانقطاع الكهرباء , وهرب المسؤولين بجوازاتهم الأجنبية , ومن جماليات المفارقة والسخرية السوداء , استخدام التنوين , وأدوات النحو الفصيحة , ووصلها بضمائر وعبارات عامية عراقية قحة مثل :
رأيتُهُ مَبحوحاً من اللطمِ ,
وجيب ليل واخذ عتابا ,
لتبدو القصيدة جادة وبنيوية من الخارج , لكنها تحمل في أحشائها تهكماً لاذعاً يشرّح الواقع المرير.

إرسال تعليق