مقامة الأمير النائم

مشاهدات


صباح الزهيري


صديقتنا ألأديبة الشاعرة التي كعادتها إيقاعها لاهث , ومكتنز بالأستعارات , مزدحم جداً بالصور البلاغية , وفيه لعنة القراءة وبركتها , تمر بظروف صعبة , فقد أصيب رفيق دربها بجلطة دماغية ودخل غيبوبة منذ ثلاثين يوماً, عن هذه المحنة , قالت بنصّ موجزٍ لكنه عميق كالجرح , 

أنه الأمير النائم , 


إن اختيارها لهذا التعبير يعكس عمق وفائها ورقتها ونبل عاطفتها حتى في أحلك الظروف , فقد جعلت من الغيبوبة القاسية حكاية تليق بمقامه في قلبها , فما كانت هذه التسمية لتخرج إلا من قلب شاعرةٍ ملأه الوفاء , وتربّع فيه الحب فوق عروش الكبرياء , ولعل أميرها لم يرحل بل هو في استراحة محاربٍ , يلتقط أنفاسه في غفوةٍ مؤقتة , بينما روحها الحارسة تحيط به بصلواتها ودعائها الذي لا يهدأ.


يأخذ نسيجُها الشعريُّ الرقيقُ ببصيرتها إلى عوالمَ خفية , حيث تتكثفُ المعاني في بضعِ كلماتٍ , لتُشكلَ لوحاتٍ حيةً تمتزجُ فيها المادةُ بالروح , والحسُّ بالفكرة , وتتابع بقلبٍ يملأه الدعاء والوجل تلك الأيام الثلاثين التي مضت , وهي تقف كالمنارة في مهب الريح , تحرس بغزارة عاطفتها سكون رفيق العمر , وتدثره بلقبهاالأثير الذي أسبغتِهِ عليه الأمير النائم , وتعتقد بيقين إن هذا الصمت الممتد على سرير المرض ليس غياباً , بل هو خلوة بين روحه المثقلة وعين العناية الإلهية , وهي , بكبرياء السبعين وحكمة الشاعرة , تدرك أن الحب الحقيقي لا يشيخ , وأن الوفاء الذي صهرته العقود لا تزعزعه عواصف العناية المركزة. تتسلّل إلينا كما يتسلّل الضوءُ من شقٍّ خفيّ في جدار الروح , فهي امرأة يسير الظل خلفها بضلع مكلوم , وفي دم كتابتها تبحث بين أساطير الفراغ عن الرواية الثملى , واللهُ أقربُ اليها فقد أَودع في أعماقها سر التوق , والوقت يمضغ الملامح التي شاخت على عتبة الترقب , وتدعو : 

أيّها السرّ, 

احملني على جنح غيمة , 


ثنائية المعنى , يملؤها شجن مُحنى بوجع العمر وذاكرة التصوف , وعندما تمضي نحو حنينها يأخذك شعور متضارب , معتقل التقاليد , ثلاثية النور, قلبها يضيء ليل الغائبين , وهي تعرف ان الأدباء والشعراء لا يملكون إلا قلوباً رقيقة , لكنها في الملمات تُبدِي صبراً يوازي الجبال , سبعة عشر يوماً مرت , وهي في ميزان الوفاء ثلاثون حجة من الطهر والنقاء , وهي كما عهدناها منارةً للصبر , وتعلم أن القلوب والدعوات تلتف حولها وحوله , تأمل أن يستيقظ الأمير من غفوته ليعود إلى ملكه , وإلى ديارٍ هي ملكتها وضياؤها.


تبدو تجربتها كهمسةٍ عنيدة , لا تُنافس على العلوّ , بل على العمق , همسة تعرف أن ما يُقال وشوشةً قد يكون أكثر بقاءً مما يُقال بالصراخ  , تكتب لا لتُدهش , بل لتنجو , ولا لتُثبت شيئًا , بل لتبحث , ونحن نعرف إن كلماتها ودعاءها هما الجسر الذي سيعبر عليه أميرها ليعود إليها , ولذا فهي قوية لأجله , فقد عهدناها نفساً أبية , وشاعرةً تستلهم من الألم أسمى معاني الوجود , ونحن معها ندعو لها بالثبات ولأميرها باليقظة القريبة والشفاء العاجل الذي يقرّ به قلبها المتعب.


سيدة الحرف والوجدان , تظل طيور ذكرها تقصف القلوب , ولا عاصم إلا الحب , تتصادم جدلية السكون والصخب بعنفٍ صامت ,  ويلوذ الداخل بسكونٍ مطبق , لكنه ليس سكون الطمأنينة , لتشرق خيالاتها كنابض روحي لمختبر حسي تنصهر فيه الروح , فيتعمق صمت الداخل ويتحول إلى صلاةٍ تبحث عن بصيص نجاة وسط ضباب الرجاء , كما النخيل الذي يمنح بوقار , متعجبا من تعبيرها الأمير النائم المنبثق من شجنٍ يدمي القلوب , ومن شموخٍ يرفع الهامات , لقد حوّلت محنة المرض بلمستها الشاعرة إلى أسطورة وفاء ناصعة , حيث ينام الأمير مستنداً إلى إرثٍ طويل من المودة , وتتحول هي إلى حارسة مملكته العاطفية , تترقب أنفاسه وتعدّ الأيام يوماً فيوم . ثلاثون يوماً والزمن واقفٌ يترقب يقظة الفارس , لكننا نعلم أن القلوب النابضة بالشعر والصدق لا تنكسر , لأنها تستمد من الحرف عمراً فوق العمر , ومن الصبر عمقاً يتسع لكل هذا الضيق , وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل , وما أقصر ليل الغيبوبة أمام فجر الرجاء بالشفاء , 

أسأل الله القدير أن ينهي هذه الغفوة على خير , وأن يعيد لأميركِ عافيته , ولثغركِ الباسم بريقه , ولأقلامنا بهاءَ وجودكِ معنا وأنتِ مطمئنة البال , شدّ الله أزركِ ولطف بحالكِ وحاله.


تعليقات

أحدث أقدم