الفريق الركن صباح نوري العجيلي
رغم أن البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية يشكلان محور الخلاف الرئيس بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أن مضيق هرمز أصبح العقدة الأكثر حساسية في أي تفاهم أو مواجهة بين الطرفين ، لأنه لا يمثل ممراً مائياً فحسب، بل ورقة جيوسياسية قادرة على التأثير في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والأمن الإقليمي. ويمر عبر المضيق نحو خمس إمدادات النفط العالمية وجزء كبير من تجارة الغاز الطبيعي المسال، ما يجعله أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم.
الأهمية الجيوسياسية لمضيق هرمز:
يعد المضيق شريان الطاقة العالمي، إذ تعتمد عليه صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية. وأي اضطراب في حركة الملاحة يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والتأمين والشحن ويؤثر في الاقتصاد العالمي بأسره. كما أن السيطرة على المضيق تمنح إيران قدرة ردع تتجاوز حدودها الجغرافية لتصل إلى مراكز القرار الاقتصادي الدولي.
هرمز ورقة النفوذ الجيوسياسي الإيراني:
يعد مضيق هرمز ممراً مائياً دولياً يخضع لأحكام القانون الدولي للبحار ويمثل أحد أهم شرايين التجارة والطاقة العالمية. إلا أن طهران في ظل التطورات الاخيرة تنظر إليه باعتباره جزءاً من مجالها الحيوي وأحد عناصر أمنها القومي، نظراً لامتداد ساحلها على ضفته الشمالية وانتشار قواعدها البحرية ومنظوماتها الصاروخية وقوات الحرس الثوري في المنطقة، الأمر الذي يمنحها القدرة على التأثير المباشر في أمن الملاحة. وتتعامل القيادة الإيرانية مع المضيق باعتباره أداة ردع استراتيجية وليس مجرد ممر تجاري ، إذ تستخدم التهديد بإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه كورقة ضغط في مواجهة الضغوط الأمريكية. ومن هذا المنطلق، تحول مضيق هرمز من ممر مائي استراتيجي إلى أداة تأثير جيوسياسي ضمن استراتيجية الردع غير المتكافئ التي تعتمدها طهران. وفي المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى حرية الملاحة في المضيق باعتبارها مصلحة حيوية للأمن الاقتصادي العالمي ولأمن حلفائها في الخليج، الأمر الذي يجعل مضيق هرمز نقطة تقاطع بين المصالح الدولية والإقليمية، وأحد أكثر ملفات الشرق الأوسط حساسية وقابلية للتصعيد.
هرمز ورقة بمستوى البرنامج النووي الإيراني:
إذا كان البرنامج النووي يمثل ورقة الردع الاستراتيجي الإيراني، فإن مضيق هرمز يمثل ورقة الردع الاقتصادي العالمي. ولذلك فإن أي مذكرة تفاهم أمريكية-إيرانية لا يمكن أن تتجاهل قضية أمن الملاحة في المضيق. وتدرك واشنطن أن امتلاك إيران القدرة على تهديد تدفق الطاقة العالمية يمنحها نفوذاً سياسياً يتجاوز قدراتها العسكرية التقليدية، ولهذا غالباً ما يتم التعامل مع ملف هرمز بوصفه ملفاً موازياً للملف النووي والصاروخي في أي مفاوضات مستقبلية.
المدخل إلى حرب الاستنزاف :
في حال فشل التفاهمات، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس الحرب الشاملة، بل حرب استنزاف طويلة تتضمن:
- ضربات جوية وصاروخية متبادلة.
- استهداف السفن التجارية وناقلات النفط.
- حرب ألغام بحرية وعمليات بواسطة الزوارق السريعة والطائرات المسيرة.
- هجمات سيبرانية على البنى التحتية للطاقة.
- عمليات عسكرية محدودة دون الوصول إلى مواجهة برية واسعة.
وستسعى الولايات المتحدة إلى إبقاء المضيق مفتوحاً، بينما ستستخدم إيران التهديد بإغلاقه لرفع كلفة الحرب على خصومها. ومن المرجح أن تتجنب الولايات المتحدة وإيران الانزلاق إلى حرب شاملة ومباشرة بسبب كلفتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، لذلك يصبح خيار حرب الاستنزاف المحدودة والعمليات غير المتكافئة السيناريو الأكثر واقعية. فكل طرف يسعى إلى إضعاف الآخر ورفع كلفة المواجهة عليه دون الوصول إلى نقطة الانفجار الإقليمي الكامل.
دول الخليج مسرح الرد الإيراني
في أي مواجهة حول مضيق هرمز، ستتحول دول الخليج إلى ساحة رئيسية للرد الإيراني للأسباب الآتية:
- وجود القواعد العسكرية الأمريكية.
- اعتماد اقتصادات الخليج على تصدير النفط عبر المضيق.
- حساسية المنشآت النفطية والبنى التحتية للطاقة.
- سهولة استهداف خطوط الملاحة والموانئ ومحطات التصدير.
وبالتالي فإن أمن الخليج وأمن مضيق هرمز أصبحا قضية واحدة، وأي اضطراب في أحدهما ينعكس مباشرة على الآخر وعلى الاقتصاد العالمي برمته.
الخلاصة:
أثبتت التطورات الإقليمية أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري لنقل الطاقة، بل تحول إلى ورقة قوة استراتيجية إيرانية ذات تأثير عالمي، قادرة على التأثير في أسواق الطاقة والتجارة الدولية والأمن الإقليمي. ولذلك فإن أي تفاهم أمريكي-إيراني مستقبلي لن يقتصر على البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية، بل سيضع أمن الملاحة في مضيق هرمز في صلب المفاوضات . وتبقى معادلة «أمن الملاحة مقابل الأمن القومي الإيراني» هي العقدة الأكثر تعقيداً بين الطرفين، إذ تنظر واشنطن إلى حرية الملاحة باعتبارها مصلحة دولية حيوية، فيما ترى طهران أن المضيق يمثل أحد أهم عناصر ردعها الاستراتيجي.

إرسال تعليق