تبر العرباوي
أمّه كانت مساعدة في حمّام النّساء ، وأبوه كان حلاّقًا.. أدخلاهُ المدرسة ، وحرصا على تعليمه..في المدرسة دُروسها وفي البيتِ ما يَعلَمَانِه. كانا سعيدين به ، لم يُعكّر صفو رضاهما به وعليه سوى أنّه كان يأخُذ كلّ مرآةٍ تشتريها أمُّه ويَتَسمّرُ طويلاً أمام المرآة في محلّ أبيه..
كما كان يستولي على أيّ مرآةٍ يَجدُها في حقائب عمّاته وخالاته وأحيانًا حتّى بعض الجارات. لم يكن ميّالاً للّعب مع أترابه ، وكان يُبدي لهم كراهيةً يعزُوها الى إلى التفافهم ضدّّه والإساءة إليه . وكان ذلك الأمرُ يُقلق والديه فيُحاولان إدماجه مع أترابه دون فائدة.
كبُرَ وكبُر معه حُبّ المرآة.
حَلُمَ كثيرًا بمرآة سحريّة تكشفُ لهُ بواطنَ من حوله ، وظلّ يبحثُ ويُنقّب عن التّعويذات والكلمات التي تُمكّنُه منها.
لأمرٍ ما .. لِأُمورٍ كثيرةٍ عالقة في المرآة كان يحلم أن يكونَ سجّانًا ..لكنّه كبُرَ وصار مُوظّفًا ولم يهجر رفيقته.
بنى بيتًا جعل كلّ جُدُرانه مَرايا..حينَ يعودُ من العمل يُقفلُ بابه ويقف وسطَ مراياه يُحدث انعكاساته الكثيرة عليها.. يُخاطبها جُمهورًا له.. يروي القصَصَ ..ينتحلُ البُطولات..يختلقُ الأساطير..ويُصفّقُ ، فَيُصفّقُ جمهورهُ..
ينحني تحيّةً
فَيَنحنُون له ..
يبتسمُ
فيبتسمونَ لهُ
حتّى يُغالبهُ النّعاس أو يَقرُصَهُ الجوعُ فيُغادرُهم لينامَ وينامون.
الحارة التي سَكنَها لم يكن منها ولا يعرفُ أهلُها عنهُ شيئًا غيرَ ما أسمَوهُ انضباطًا في مواعيد الذّهاب إلى العمل والعودة إلى البيت. وكان أهل الحارة يتّخذونَ أمينًا عليها كلّ فترة من الزّمن وتشتدُّ المُنافَسة بينهم ما يُسبّبُ أحقاد وإشكالات. لذلك ارتأى بعضُ حُكمائها أن يُعيّنوهُ أمينًا لها ،لأنّهُ لا يعرفُ عنهم شيئًا ولا خطرَ يُخشى منه . أعلموهُ فَفَرِِح وانتشى ووافقَ بل صارَ يُلاحقُهم لتعيين موعد البدء…وعيّنوه في حفلٍ بهيجٍ.. وكُلّما عرضُوا عليه إشكالاً عاد مُسرعًا إلى البيت ليَستشيرَ ساكني المرايا..ثُمّ صارَ يجلبُ مرآةً يقفُ أمامها ويُلقي الخُطبَ والمواعظ َوالاقتراحات..
اقترح تسييج الحارة.. واقترح عزل سابقيه وأمرَ بمنع المرايا في البُيوت والمحلاّت ونفّذَ غلقَ الحمّامات ومحلاّت الحلاقة.ثُمّ مَنعَ الأطفالَ من اللّعب وأكل الحلوى..
في البدء ظنّوا أنّهُ يمزح ثم أنّه يصطنعُ الجِدّية والصّرامة . أمّا وقد منعَ الأطفالَ من اللّعب والحلوى ، فاحتشدوا وهجَموا على بيته يضربونَهُ فيرتَمي على المرايا ، ويصرخُ فيصرخون ..يزحفُ فيزحفون..يغيبُ فيغيبونَ.
يومًا ما سيسمّيه بعضُهم شهيدَ المَرايا…
وبعضهُم سَهيد المرايا..

إرسال تعليق