مقامة جناس نواب : قراءة في سريالية الواقع العراقي من خلال شعر الاحتجاج

مشاهدات


صباح الزهيري


لطالما كان الشعر في العراق أكثر من مجرد أوزان وقوافٍ , لقد كان دائماً ديوان الاحتجاج , والوثيقة العاطفية والسياسية التي تُسجل خيبات الأمة وانكساراتها قبل انتصاراتها , وحين يضيق الواقع وينسد أفق الحلول الدبلوماسية , تنبثق الكلمة الشعبية الساخرة كالرصاصة , لتهدم جدران الزيف وتعرّي المشهد , في هذا السياق , تأتي أبيات الشاعر مأمون النطاح لتشكل صدمة واعية , مستخدمةً سلاح (( الجناس التام )) لتفكيك شفرات المعاناة العراقية المعاصرة في أربعة أشطر اختزلت عقوداً من الألم :
القلق لبراسي طول الليل نواب ,
سهرت وماروتني اشعار نواب ,
بلد تاريخي هيچ تحكمه نواب ,
تبوگ اللگمة من حلگ الرعيّة .

يبدأ النص من سيكولوجية القلق الجمعي وسهر العراقيين , وهي نقطة شديدة الحميمية والذاتية , لكنها سرعان ما تتحول إلى همّ جمعي :

القلق لبراسي طول الليل نواب ,

إن القلق هنا ليس عارضاً صحياً أو أرقاً عابراً , بل هو حالة تناوب مستمرة للأزمات على رأس المواطن , إنه قلق الهوية , وقلق المعيشة , والخوف المزمن من القادم المجهول , الليل العراقي في القصيدة ليس للراحة , بل هو مسرح لمواجهة الأسئلة الوجودية الصعبة التي تفرضها تقلبات السياسة والأمن , حيث يتحول الفكر إلى ساحة حرب لا تهدأ.

في الشطر الثاني , حين يعجز الفن عن مداواة النزيف , يرمي الشاعر بحجر ثقيل في ركود النخبة الثقافية:

سهرت وماروتني اشعار نواب , والإشارة هنا واضحة وصريحة إلى أيقونة الشعر الثوري العراقي , الراحل مظفر النواب , الذي طالما كانت قصائده ملاذاً للأحرار وسياطاً تلهب ظهور الطغاة , لكن المفارقة المؤلمة التي يطرحها النص هنا , هي أن الواقع العراقي المعاصر قد تجاوز في سرياليته وقسوته حتى سقف الخيال الثوري لمظفر النواب , لقد أصبحت الأزمة أعمق من أن تطببها قصيدة , وأكبر من أن يستوعبها مجاز , وحين يعجز شعر النواب بكل عنفوانه وعمقه عن رَيّ عطش الطمأنينة لدى المواطن , فهذا مؤشر خطير على أن الجرح قد وصل إلى العظم , وأن الخيبة استوطنت الأرواح.

ينتقل الشاعر في الشطر الثالث إلى صدمة المفارقة بين عظمة التاريخ وهزالة الحاضر , والى مقارنة حضارية موجعة :

بلد تاريخي هيچ تحكمه نواب ,

هنا تبرز الكوميديا السوداء في أبهى صورها وأكثرها إيلاماً , العراق - مهد الحضارات الأولى , أرض سومر وبابل وآشور , ومشرّع أولى القوانين الإنسانية في مسلة حمورابي - يُقاد اليوم بواسطة طبقة سياسية تفتقر إلى الأفق الاستراتيجي أو الحس الوطني الرفيع , هذه الفجوة الهائلة بين

الماضي التليد والحاضر السياسي الهزيل تخلق حالة من الاغتراب داخل الوطن , حيث يشعر المواطن بأن تاريخ بلاده العظيم يُختزل ويهمش في دهاليز المحاصصة والمصالح الضيقة.

يصل النص إلى ذروته النقدية في الشطر الأخير , حيث الفساد البنيوي والارتداد إلى مفاهيم الإقطاع , موجهاً اتهاماً مباشراً وصادماً :

تبوگ اللگمة من حلگ الرعيّة ,

إن المفارقة اللغوية والسياسية هنا تكمن في تحول مفهوم النائب , فالمعنى المفترض للنائب في النظم الديمقراطية هو أنه صوت الشعب , والمدافع الأول عن لقمة عيش الفقراء وحقوقهم , لكن الشاعر يقلب الصورة , ليصبح النائب هو السارق لتلك اللقمة, ولعل استخدام الشاعر لمفردة الرعية بدلاً من

المواطنين أو الشعب

يحمل تهكماً سياسياً عميقاً , فهو يشير إلى أن الممارسات السياسية الحالية قد أفرغت الديمقراطية من محتواها , وأعادت البلاد - سلوكياً - إلى عهود الإقطاع والتبعية , حيث تملك السلطة كل شيء , بينما لا تملك الرعية سوى الفتات الذي يُسرق منها أيضاً.

لقد اختزل الشاعر في أربعة أشطر فقط كتاباً كاملاً في علم الاجتماع السياسي للعراق بعد عام 2003 , إنها صرخة احتجاج مغلفة بقالب شعري شعبي قريب من وجدان الشارع , تكمن قوتها في أنها لا تجامل , وتضع الإصبع على الجرح مباشرة , أزمة ثقة عميقة بين المواطن والمسؤول , وفجوة لا تردمها الشعارات بين تاريخ مجيد وواقع مرير , وتكمن عبقرية هذه الأبيات في قدرتها على اختصار مجلدات من التحليلات السياسية والاجتماعية في قالب السهل الممتنع ,

لقد نجح مأمون النطاح في تحويل كلمة واحدة نواب من أداة لغوية الجناس إلى مبضع جراح يفكك به أزمات العراق , من أرق المواطن , إلى عجز الثقافة , مروراً بصدمة التاريخ , وصولاً إلى تغول الفساد , إن هذا النص لا يقف عند حدود البكاء على الأطلال , بل هو صرخة احتجاج وتنبيه تضع الجميع أمام مسؤولياتهم , ويبقى السؤال المعلق في فضاء القصيدة والواقع العراقي , متى يستفيق هذا البلد التاريخي من ليل قلقه الطويل , ليعود النائب مشرعاً يحمي اللقمة , لا يداً تمتد لتسرقها من أفواه المتعبين ؟

فمتى يتحول النائب من مصدر للقلق وسارق للقمة , إلى مشرّع يعيد للبلد التاريخي هيبته ؟

تعليقات

أحدث أقدم