مشاهدات
د. حسين عبد القادر المؤيد
1- يجب في البداية تفكيك السردية المزيفة التي تزعم أن التعاطي الرسمي و الشعبي مع تشييع خامنئي في العراق، هو باعتبار مرجعيته الدينية وليس بدوافع أخرى.
من الواضح، أن ما جرى في التشييع بعيد كل البعد عن هذه السردية ، فهناك مراجع معروفون عند الشيعة تم تشييعهم في كربلاء و النجف، و لم يحدث أي تحشيد أو تجنيد سياسي و إعلامي رسمي أو شعبي لهذا الأمر، منهم الصافي الگلبايگاني الذي كان من أبرز المراجع في قم على مستوى أوسع بكثير من إيران ، فقد كان له مقلدون في إيران وباكستان وأفغانستان ودول أخرى، فضلا عن مكانته المعروفة في حوزة قم والنجف، وجيء بجنازته إلى كربلاء والنجف، ولم يخرج تشييعه عن إطار تشييع مرجع للتقليد عند الشيعة.
إذن، ما جرى من التعاطي الرسمي والشعبي مع تشييع خامنئي، لم يكن في إطار تشييع مرجع ديني، وإنما أخذ طابعا آخر يرتبط بمكانته السياسية وموضوع ولاية الفقيه والنفوذ الإيراني لنظام الملالي في العراق، الأمر الذي يؤشر على ارتباط السلطة والقوى السياسية الشيعية الحاكمة في العراق، بنظام الملالي وولاية الفقيه.
2- من المعلوم أن هناك الملايين من الشعب العراقي بأعداد لا يستهان بها، تعارض إجراء تكريم وتشييع لخامنئي، وتحمله مسؤولية ما جرى على العراق من فتنة طائفية واستهداف للوطنيين العراقيين والأحرار المعارضين للوضع السياسي في العراق منذ الاحتلال الأمريكي وإلى الآن، ودعم القوى والشخصيات الموالية لإيران والفاسدة والظالمة، والنهب لثروات البلد لصالح نظام الملالي، فضلا عن مسؤوليته في إدارة الحرب على العراق حين تخطت حدود العراق واحتلت الفاو حينها واحتلت أراض عراقية قبل أن يتم تحريرها على يد الجيش العراقي. وتحمّله أيضا مسؤولية تشكيل الميليشيات ودعمها وقمع المكوّن السني في العراق وقمع انتفاضة تشرين التي راح ضحيتها قتلا وجرحا وتعويقا الآلاف من العراقيين ، والقصف على إقليم كردستان العراق وابتزاز السلطة الكردية في الإقليم . وتحمّله أيضا مسؤولية التفاهم والتعاون مع الأمريكان في احتلال العراق، ودعم العملية السياسية التي بنيت على المحاصصة والاحتكار وتزييف الديمقراطية.
وفي ظل معارضة الملايين من العراقيين، لا يحق للسلطة في العراق أن توافق على إقامة تشييع لخامنئي في العراق، فضلا عن تبنّيها لإقامة تشييع رسمي وشعبي له، فهذا يعتبر تنكرا لقطاع واسع من الشعب العراقي وعدم احترام للمواطنين العراقيين من كل الشرائح . ولو كانت هناك مؤسسات دستورية حقيقية، لم يكن لقرار السلطة هذا أن يمر دون عرضه على البرلمان والتصويت عليه بحريّة مطلقة.
3- ليس من حق رئيس الوزراء ولا محافظي المحافظات ، إعلان عطلة رسمية سواء في كل البلد أو في المحافظات، لما في ذلك من إهدار للمال العام وتعطيل لمصالح المواطنين من دون مناسبة وطنية تستحق ذلك، ويعتبر هذا القرار أحد أوجه الفساد الإداري والمالي للسلطة التي تدعي مكافحة الفساد والفاسدين في العراق . والطلب المقدم إلى رئيس الوزراء من نائب رئيس مجلس النواب الذي ينتمي إلى ميليشيا العصائب، لإعلان عطلة رسمية، ينص على أن المتقدمين بالطلب من النواب هم خمسة وخمسون نائبا، فكيف يسوغ لرئيس الوزراء الموافقة على طلب هذا العدد المحدود والذي لا يتصف بالصفة التمثيلية الكافية؟.
4-ما هو المبرر للموافقة على حضور قادة في الحرس الثوري مثل قاآني ومحسن رضائي الذي جاء إلى العراق ببدلته العسكرية مع أن المفروض ألا يكون استقبال الوفد المرافق للجنازة، ذا طابع رسمي وفي إطار البروتوكولات الرسمية؟.
5- إنها لمفارقة حقا، أن ينزعج الصفويون في العراق، سواء أكانوا قوى سياسية أو دينية أو جمهور، من رميهم بالولاء لإيران. لقد جسّد كل ما قاموا به من تحشيد شعبي وتجنيد إعلامي ورفع الأعلام الإيرانية ومراسم من الأهازيج والشعارات واللطم وما شاكل ذلك، الولاء الكامل لنظام الملالي ولولاية الفقيه في إيران ، وإذا لم يكن ما قاموا به، هو صور للولاء والتفاني في الولاء،
فكيف يكون الولاء؟
ولم يكتفوا بذلك، بل كان الخطاب في القنوات الإعلامية الصفوية سواء من مقدمي البرامج أو الضيوف، خطابا مؤدلجا وطائفيا ينم عن الارتباط الآيديولوجي والروحي مع ما يمثله نظام الملالي من آيديولوجية سياسية و اتجاه طائفي.
وأخيرا وليس آخرا، لا يمكن لمن يحترم عقله، أن يخدع نفسه، بل يجب أن يرى الواقع كما هو ويرتب على الشيء مقتضاه، فالحكم في العراق هو حكم صفوي طائفي موال لإيران، وكل مزاعم الاستقلال والسيادة وعدم وجود كلمة نافذة لنظام الملالي، هي مزاعم زائفة، ومشاريع فك ارتباط العراق بإيران واحتواء المكوّن الشيعي في الحضن العربي، مجرد أوهام وأحلام ليس لها تعبير في الواقع الراهن.

إرسال تعليق