ميس خالد
لم تكن المدرعات والدبابات التابعة لجهاز مكافحة الإرهاب التي طوقت المداخل وأغلقت البوابات مجرد إجراء أمني روتيني ، بل كانت إعلانًا بالذخيرة الحية عن تدشين مرحلة سياسية جديدة في العراق تحت قيادة رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي . إن حملة الاعتقالات المباغتة التي طالت نواباً وزعامات سياسية بارزة بشبهات فساد ثقيلة ( امتدت خيوطها من اعترافات مسؤولين موقوفين في قطاع النفط ) تمثل زلزالاً سياسياً ستتردد ارتداداته طويلا . فما هي أبعاد هذا الحدث المفصلي ، وأثره المباشر على الشارع العراقي المثقل بالأزمات.
من مطبخ الأحداث في بغداد ، ومن وراء كواليس المنطقة الخضراء التي استيقظت فجر اليوم على هيروشيما سياسية مصغرة . طوال العقدين الماضيين ، حكمت المشهد العراقي معادلة " التوافقية والمحاصصة " ، حيث كان الفساد في كثير من الأحيان يحتمي بالحصانة الحزبية أو الطائفية ، وكانت الملاحقات القضائية تتوقف عند حدود " الخطوط الحمراء " للزعامات . ما حدث فجر اليوم يكسر هذه القواعد لعدة أسباب :
- بين القضاء (محكمة مكافحة الفساد برئاسة القاضي ضياء جعفر) ورئاسة البرلمان لتجريد النواب المستهدفين من حصانتهم قبل المداهمة ، تعني أن الدولة العميقة قررت تفعيل أدواتها القانونية بصرامة .
- استخدام القوة النخبوية: إن زجّ جهاز مكافحة الإرهاب والآليات الثقيلة في قلب المنطقة الخضراء يبعث برسالة حازمة : " لا أحد فوق سلطة القانون، ولا ملاذ آمن خلف الأسوار السياسية " .
- تجاوز الانتماءات المكوناتية : شمول الحملة لأسماء من ثقوب سياسية مختلفة يعطي انطباعاً ( حتى الآن ) بأن التحرك ليس تصفية حسابات فئوية بقدر ما هو محاولة لإثبات الجدية الحكومية .
بالنسبة للمواطن العراقي البسيط ، الذي يعيش تفاصيل يومه بين معدلات بطالة مرتفعة ، وفقر مستشرٍ ، وتردٍ في الخدمات الأساسية ، فإن هذه الأخبار لا تمر كحدث سياسي عابر، بل تلامس جروحه اليومية .
ويمكن تلخيص أثر هذه الحملة على الشارع في ثلاثة مسارات نفسية وسياسية :
1. الارتياح المشوب بالترقب (التشفي الحذر)
هناك حالة من الرضا الشعبي العارم لرؤية شخصيات كانت تُعتبر " فوق المساءلة " وهي تخضع للاعتقال والمحاسبة . الشارع العراقي الذي خرج في تظاهرات عديدة مطالباً بمحاربة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة، يرى في هذه الخطوة استجابة متأخرة لنداءاته . لكن هذا الارتياح يظل حذراً ، فالمواطن العراقي يخشى أن تكون هذه الحملة مجرد " موجة مؤقتة " أو " أكباش فداء " لتمرير تسويات أكبر .
2. الخوف من الانفلات الأمني والانسداد السياسي
الانتشار العسكري الكثيف وأنباء الاحتكاكات وإطلاق النار داخل المنطقة الخضراء فجر اليوم أعادت إلى الأذهان ذكريات الصدامات المسلحة السابقة . يخشى الشارع العراقي أن ترد الكتل السياسية المتضررة عبر أجنحتها أو نفوذها لزعزعة الاستقرار العام ، مما قد يدخل البلاد في نفق مظلم من الفوضى الأمنية التي يدفع المواطن دائماً فاتورتها الأكبر .
3. محاكمة " مفهوم العدالة " ذاته
الجمهور العراقي يراقب الآن بذكاء ، هل ستستمر هذه الحملة لتطاول الرؤوس الكبيرة جداً من كل الأطراف ؟ أم ستتوقف عند حدود معينة ؟ إن نجاح هذه الحملة في كسب ثقة الشعب بشكل دائم يعتمد على تحويلها من " صدمة فجر " إلى " سياق مؤسساتي مستدام " ، تتبعه محاكمات علنية عادلة واسترداد حقيقي للأموال المنهوبة (مثل ال 67 مليار دينار التي أعلن القضاء عن ضبطها مؤخراً ) .
إن رئيس الوزراء علي الزيدي وضع حكومته اليوم على حد السكين ، فإما أن يمضي بهذه الحملة إلى نهاياتها القانونية الشجاعة ليؤسس لعقد سياسي جديد يستمد شرعيته من الشارع، أو أن يتراجع تحت ضغط " مراكز القوى " فتنقلب المحاولة إلى انتكاسة قد تطيح بما تبقى من هيبة الدولة . العراقيون اليوم لا يريدون استعراضاً للقوة، بل يريدون دولة مؤسسات وخفضاً لمعدلات الفقر ، وما فجر اليوم إلا البداية في طريق طويل وشائك .

إرسال تعليق